العدد 1828
الأربعاء 16 أكتوبر 2013
الهند والفلسفة العجيبة! أسامة الماجد
أسامة الماجد
سوالف
الأربعاء 16 أكتوبر 2013

عشق والدي الأديب والكاتب الراحل محمد الماجد الهند كثيرا، وغاص في الثقافة الهندية حتى الثمالة.. وحتما هناك سبب جعل الماجد وغيره يعشقون تلك الثقافة وتلك الفلسفة العجيبة.
فقد وصل الحال بنا كبشر إلى مستويات لا يمكن تصورها.. فكثرت حماقاتنا في المرحلة الراهنة من تطور الحضارة، على نحو لم يشهده عصر من العصور الغابرة، وأصبح العالم في الخلافات العقائدية والدعاوات الزائفة، ومشكلات التفكير، والتربية وعلاقات الجنسين، ومتاعب الحرية والتحرر، والتواء المقاييس الأخلاقية والعدلية.. أصبح جراء ذلك كله في بحرين لا يملك أن يخرج منهما، قلق روحي بالغ لا يرى السبيل معه إلى الطمأنينة. ذلك بأن العلوم الحديثة غيبت الآمال التي علقها عليها الآملون قبل نحو قرون طويلة، ونمو التقنيات الرامية إلى تحقيق الرفاهية المادية الصرف، خلق ضربا من التباغض والتنافر والتنازع بين شتى فئات المجتمع، فتوارت القيم الصحيحة، وحلت معها قيم زائفة، وفقدت النفوس في هذا الجو الصاخب معنى السكينة ولا تزال تفتقده.
غير أنها لا تزال، من جهة ثانية، تأمل أن تصلح ما أفسده الدهر، وأن تفيد من تجارب الماضي لتحسين المستقبل، وأن تستعين أخيرا بالقوى الروحية التي أهملتها مع الزمن، لبناء عالم أفضل، وتحقيق حياة أهنأ وأرفد.
وكان هذا الاتجاه نحو إصلاح النفوس، والإفادة من تجارب الماضي، واستعانة الروحانية الغابرة، سببا في التطلع إلى «الهند» وتراثها الفكري، والاهتمام الجدي بنبش ما لديها من كنوز الحكمة وبساتين المعرفة، وهي كنوز يرقى بها الزمن وتمتد آثارها وتنسحب على الأجيال في تسلسل غريب، خفي على الناس طيلة قرون وقرون، إلى أن أعطت أخيرا، فيمن أعطت، عباقرة ورسلا ومفكرين، تلفت حولهم العالم ذاهلا مشدوها، أمثال غاندي، وطاغور ونهرو، وهؤلاء أنفسهم ليسوا سوى تلامذة لمن تقدمهم بقليل، ولم يعرفهم سوى المثقفون الباحثون، وكانوا طليعة النهضة الهندية الحديثة.
لن تجد عناء كبيرا في تتبع فلسفة الهنود كما يقول والدي.. فالهنود صرحاء في بيان أفكارهم، ومعظم حكمائهم تحدثوا عن أنفسهم وآرائهم وحياتهم بكل بساطة.. وقد سبق لغاندي أن كتب.. «تجاربي في البحث عن الحقيقة»... حيث قص علينا كل شيء، وتحدث عن كل ما يتصل بحركته الوطنية وجواهر لآل نهرو بسرد قصة حياته في كتابه «سيرتي».
وابتدع الهنود الأقدمون أنظمة اليوغا التي تهدف إلى تدريب أجزاء طبيعتنا كلها، والسيطرة عليها، وتوجيه الجسد والحواس، والحياة والعقل، وتسييرها جميعا نحو الاتساق والتعاون.. حيث يتاح للروح ان تقوم بعملها الخلاق حرة طليقة من كل ما يقيدها او يعرقل سيرها.
كان غاندي في جميع حركات عدم العنف التي تولاها يحرص على ان يبلغ خصمه بطلباته في وضوح كامل ودقة شاملة، فلا يلجأ إلى أي شيء إلا بعد أن يكون قد استنفد جميع الوسائل الأخرى، من مناقشات الى أحاديث، الى التماسات، إلى إجراءات قانونية، إلى وساطة... فكان في كل حملة من هذه الحملات يبدأ بالكتابة إلى الحكومة أو إلى الخصم أيا كان راجيا العدول عن العمل أو الأمر الذي يثير الاعتراض، ثم يعمد عن طريق الكتابة في أعمدة الصحف وغيرها إلى خلق جو مناسب بين العامة يساعد على بدء حملته، كما كان يحرص دائما على ان يكون هذا الجو نقيا لا ينطوي على أية كراهية أو غضب أو شعور بالاستعلاء على الحكومة او على الخصم كائنا من كان.
غاندي كان يؤمن بما في النفس الإنسانية من طيبة كامنة ومن ثم فقد كان يهدف في جميع الظروف إلى استثارة الخير الكامن في نفس خصمه. أما حين يعرض الخصم رغبته في أن يقابله في منتصف الطريق، فإن من واجب أتباعه «أي أتباع غاندي الملقبون بالساتياجراهي» ان يحفظوا عليه كرامته وأن ينقذوا ماء وجهه بأن يوافقوه على رغبته دون التنازل عن موقفهم الأصلي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية