ما من أحد في هذا العالم يستطيع الهروب من قدره ولا من نصيبه، فالحياة إذا كتبت عليك مثلا ان تكون عاجزا لن تستطيع فعل أي شيء يغير هذا الواقع، الحياة قاسية بطبيعتها، والزمن قطار يسير دون توقف، وما علينا إلا سلك طريق واحد يجنبنا كل المتاعب والهموم ويجعلنا نعيش وكأنه لم يحدث أي شيء، هذا الطريق هو التعاون مع الأمر المحتوم.
فمهما كان مرضنا قاسيا أو مصيبتنا كبيرة ينبغي علينا ان نتعاون ونرضا بقدرنا ولا نسخط ونلعن الحياة، لان السخط والغضب وعدم الرضا لن يغير من الأمر شيئا، بل نحن من سيتغير إلى الأسوأ.
لقد كتب احد الفلاسفة ذات يوم “كن راغبا في كون الأمور هكذا، لأن القبول بما حدث هو الخطوة الأولى نحو التغلب على أية مصيبة”، واتخذ احد الأساتذة الجامعيين في أميركا القول التالي نبراسا له في الحياة.. “لكل علة تحت الشمس يوجد علاج أو لا يوجد أبدا، فإن كان يوجد علاج حاول أن تجده، وان لم يكن موجودا لا تهتم به”.
وما من قصة أصدق على تعاون الإنسان والرضا بقدره من قصة هذا الرجل الذي كان يردد دائما.. يمكنني تحمل كل ما تفرضه علي الحياة ما عدا شيء واحد.. العمى، فأنا لا أستطيع تحمل ذلك أبدا. وبعد ذلك حين أصبح في العقد الستين من عمره، نظر الرجل إلى السجادة التي تغطي الأرض، كانت ألوانها واهية، ولم يستطع التحديق بالرسوم الموجودة هناك، فذهب ليستشير أخصائيا، حيث أخبره الحقيقة المحزنة، انه يفقد بصره، كانت واحدة من عينيه عمياء تقريبا، والثانية على وشك الإصابة بالمثل.
أصيب بما كان يخشى، فكيف كانت ردة فعل العجوز إزاء أسوأ المصائب؟ هل شعر بالأمر الواقع، وان تلك هي نهاية حياته؟ الجواب عزيزي القارئ.. لا.. لقد شعر بالمرح والسعادة رغم البقع التي كانت في عينيه وقال: وجدت أنني أستطيع تحمل فقدان بصري تماما مثلما يستطيع الإنسان تحمل أي شيء آخر.. وان فقدت حواسي الخمس كلها، فأنا سأعيش بعقلي، لأننا نستطيع أن نرى من خلال العقل وبالفعل نعيش.
أعرف دكتورا قال لمريض آسيوي مصاب بالسرطان كفانا الله وإياكم شره، ألا تخاف الموت؟ فرد الرجل وهو ممسك بكتاب.. ولم أخاف من الموت؟ نحن نأتي إلى الحياة بغير رغبة ونخرج منها بغير رغبة أيضا، ان الحياة والموت أمران ليسا بيدي، علّي فقط العيش إلى آخر لحظة في حياتي.. جميعنا نسير نحو حفرة الموت، هناك من يمشي إليها لسنوات، وهناك من يمشي لشهور وهناك من يمشي إليها لدقائق، ولكن في النهاية، الجميع سيتوسد التراب.
يا لك من شجاع وحكيم يا رجل.. وليتنا نتعلم منك هذه الرؤية الفلسفية إلى الحياة والموت.
لنترك عنا مقاومة نكبات الحياة، ونتعاون مع الأمر المحتوم، ننحني وكما يقولون مع عواصف الحياة ولا نقاومها، فحياتنا هي ساعات يومنا، وكم هي قصيرة، فلا نضيعها في حرب خاسرة.