تشبه حالة الرئيس الجزائري اليوم حالة خرشوف الرئيس السوفيتي في ستينيات القرن المنصرم. كان خرشوف ميتا سريريا ولكن النظام السياسي كان يصر على انه بخير ويظهر صورته في الاعلام على اساس انه مازال بصحته ومازال يدير شؤون الامبراطورية الروسية. وسادت العديد من الاشاعات حول الحي الميت “الزومبي الروسي” بأنه يأخذ حقنا لترتيب جلوسه بين السلطة التنفيذية ليظهر للإعلام العالمي بأنه مازال بصحة جيدة. وإذا كانت الحرب الباردة بين السوفيت وأميركا من جهة والخلاف السوفيتي الصيني من جهة أخرى تحتم على الروس الظهور بمظهر قوي نتساءل اليوم عن أسباب إصرار السلطة في الجزائر على إعادة ترشيح الرئيس بوتفليقة البالغ من العمر 76 سنة لرئاسة رابعة، فالجزائر منذ سيطرة الجيش في العام 1999 وقبوله بأن يكون بوتفليقة رئيسا للبلاد حتى أنه اضطر لتعديل الدستور لطلب رئاسة ثالثة فاز بها في العام 2009.
قد يكون بوتفليقه هو الشخصية التي أنقذت البلد من حرب أهلية جرت فيها الدماء بلا حدود، وهو الشخصية التي استطاعت ان تحافظ على الجزائر خارج دائرة الصراع، وهو ما جعل الجزائر تنعم باستقرار امني لأكثر من عشر سنوات، إلا ان الرئيس بوتفليقة رغم قدرته على تجاوز وضع البلد في خانة البلدان المديونة إلا أنه لم يستطع ان يخرج الجزائريين من حالة الفقر والبطالة رغم ان الجزائر من البلدان الغنية بمواردها التي لو تمت إدارتها بطريقة صحيحة لأصبح الجزائريون في وضع اقتصادي مريح، إلا ان الفساد الذي كان يغض الطرف عنه حول حياة الجزائريين الى جحيم من الحاجة والعوز. واليوم رغم تقدير الشباب لكل ما قام به بوتفليقة إلا انهم مقتنعون بأن الوقت حان لتقاعده وقدوم دماء جديدة تستلم زمام الأمور.
إن كثيرا من المحللين السياسيين العالميين، والقوى السياسية الجزائرية يرون ان ترشيح بوتفليقة نفسه لرئاسة رابعة وهو غير القادر حتى على الوقوف عندما تقدم بترشيح نفسه، وانه لم يخاطب الإعلام او حتى الجزائريين منذ اكثر من 22 شهرا، أي بعد اصابته مباشرة بجلطة في الدماغ قضى على اثرها اشهرا بعيدا عن الجزائر في رحلة علاج الى فرنسا، وكانت آخر رحلة في يناير 2014. يرى المحللون ان ذلك تعبير عن افلاس حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم وعدم قدرته على ايجاد شخصية تحل محل بوتفليقة.
لقد خلق هذا الترشح ازمة اخلاقية وسياسية في الجزائر، وأعاد للأذهان من جديد التصاق الرؤساء العرب بالكرسي حتى آخر رمق، والعمل على تغيير كل القوانين وحتى الدستور لاستمرار بقائهم. ورغم كل ما مر من ثورات عربية وحراك واسع اقترب من الجزائر بما مثلته الثورة التونسية، وعلى الرغم من ذلك الا انه وكما يبدو لم تصل اصداء هذه الثورات الى الحزب الحاكم الجزائري الذي يصر على الاستمرار في سياسة عسكرة الرئاسة ودكتاتوريتها من حيث الغاء رأي الشعب الجزائري في اختيار مصيره ومن يحكمه وكيف يجب ان يحكمه. خصوصا بعد الغاء نتائج الانتخابات التشريعية لعام 1991 التي أوصلت الجبهة الاسلامية للإنقاذ للفوز بالأغلبية، فقام الجيش بإلغاء الانتخابات فدخلت البلاد في حرب اهلية استمرت لأكثر من عشر سنوات انتهت بسيطرة الجيش على الدولة. ويتساءل المراقبون عن المدى الذي سيتدخل فيه الجيش لدعم بوتفليقة وهل ستصل لتدخل إلى قلب نتائج الانتخابات في صالحه، خصوصا ان العديد من المرشحين سحبوا ترشحهم لقناعتهم بأن الانتخابات لن تكون نزيهة.