يلاحظ المراقبون أن هناك تحركات دبلوماسية واسعة في منطقة الشرق الأوسط، تلك التحركات التي شملت تقريبا معظم أجزائه، والتي جاء بعضها بصفته فعلا والبعض الآخر كان عبارة عن رد فعل ناجم عن تلك التحولات في المنطقة، لم يبد السياسيون الغربيون - وعلى رأسهم الساسة الأميركان - متفاجئين بذلك التحول الملموس في طبيعة الخطاب الإيراني تجاه مسألتين أساسيتين كانت ومازالت تعرض مصالح إيران للخطر، أولهما الشأن النووي الإيراني الذي دخلت بموجبه إيران صراعا صعبا خاضته خلال سنوات طويلة منذ الثورة الايرانية حتى الوقت الراهن، وقد جربت إيران في ذلك الملف ما يسمى بسياسة حافة الهاوية، وهي تسمية سياسية استخدمها جون فوستر دلاس وزير الخارجية الأميركي (1953 ـ 1959) لأول مرة مع مطلع الخمسينات وهي تعتمد على الاستعداد العسكري ودفع الأمور إلى حافة الحرب مع امتلاك وسائل القوة العسكرية ومعرفة قيمتها الحقيقية والقدرة على استخدامها وتقييم حقيقي للمخاطر وتقبل نتائجها.
ظلت الجمهورية الإيرانية تذهب بعيدا في لعبة التهديدات التي قامت على تلك السياسة، ونتيجة لمعرفة الايرانيين بحقيقة قدراتهم جربوا تهديد ضرب دولة الكيان الصهيوني وإزالتها من الوجود، وهو التهديد الضروري بالنسبة لدولة الكيان الصهيوني خصوصا بعد خمود أغلب الجبهات حولها والتي كانت مصدرا للتهديد، ودخول دول في اتفاقات أو بدون اتفاقات (سوريا، مصر، الأردن، الضفة الغربية)، بينما كان الإيرانيون على الجانب الإعلامي يحاولون تجريدها من حجة الضحية، التي قتلت بها الشعب الفلسطيني وشردته، وذلك بنفي وقوع المحرقة من اصلها، كما هددت بإغلاق مضيق هرمز الذي يتدفق منه شريان النفط إلى جهات المعمورة.
ولم تكن حسابات التهديدات العسكرية غائبة عن ردود فعل من أميركا أو من الدول الأوروبية التي رأت في ذلك تهديدا لمصالحها في المنطقة، مما أدى إلى سحب المشروعات القديمة وطرحها على الطاولة نتيجة لنجاحها في السابق بعد أن طبقت على العراق خلال ثلاث عشرة سنة، استطاع الحصار على العراق أن يؤدي إلى تقويض الدولة من الداخل، ولم يكن الإيرانيون بعيدين عن تلك التجربة، وكانت مسألة الانتخابات السابقة التي جاءت بروحاني فرصة لمحاولة الفرار من طوق تلك الأزمة التي باتت تعصف بالجمهور الايراني، فبدأ الناس يشعرون بضغط الحصار خصوصا عندما طال تصدير النفط على الرغم من أن الاقتصاد الإيراني متنوع ولكن غير قادر على التكامل كما لا يمكن أن تتكامل دولة واحدة في المجتمع الدولي الحالي.
وقام الخطاب الدبلوماسي الإيراني بسحب فتيل الأزمة القائمة التي استغلت بشكل واسع داخل الدول العربية على أساس استبدال عدو بعدو آخر مثلته إيران، وظلت وسائل الاعلام العربية والأجنبية تشير إلى ايران باعتبارها العدو البديل لدولة الكيان الصهيوني. بينما كانت سياسات حسن الجوار سابقا متبعة بالنسبة للدول وهي التي تنتج ما عرف في السياسة بكسب الأصدقاء وتم استبدالها بسياسة كسب الاعداء.
الخطاب الإيراني الأخير يمكن أن يستشف منه مسائل عدة، يمكن أن تكون أهمها إيجاد حالة من الارباك العام في السياسة الدولية ويبدو ان ذلك قد حدث فعلا. كما أن تغيير الحسابات وإعادة الاصطفاف في المنطقة برمتها حدث قائم على قدم وساق، وهناك تغير في كل الخطابات بالمنطقة ووجدت حالة من الترقب لما سيحدث وعما ستسفر المباحثات، ويبدو أن الرهان الإيراني على سوريا ودعم روسيا قد آتى أكله، ولكن التساؤل عن حجم التنازلات الإيرانية وإلى أي مدى سيصل غير معروف، كما أن دولة الكيان الصهيوني قد باتت في الزاوية الضيقة من المكان إلى درجة انها تكاد تلوح بعمل عسكري منفرد ضد إيران.