اليابان هذه البلاد التي نكاد لا نعرف عنها شيئا إلا صناعتها التي باتت في تحولاتها نحو الجودة تطغى على تفضيل المستهلك المحلي لسياراتها التي تحمل اسماء عائلات عريقة في اليابان وكذلك سائر المنتجات التي باتت تنافس من قبل منتجين مثل كوريا الجنوبية والصين وغيرها من بلاد النمور السبعة في شرق آسيا، ومازلنا نتذكر الحرب العالمية الثانية التي ضربت فيها أميركا اليابان بالقنابل الذرية من ضمن مآسي الحروب على البشرية، ومازال الوعي الغربي مفتونا بالفنون القتالية القديمة التي يقدمها في افلام الاكشن من تقاليد محاربي السموراي، ولعل تلك الانحناءة الخفيفة التي تقدم نفسها على انها تحية مألوفة بالنسبة للجمهور.
لقد مرت المنطقة في الفترة السابقة بمجموعة من التحولات التي باتت تغير السياسة العامة في المنطقة ولها انعكاس عام على بقية الدول، حيث ظهر في الفترة الاخيرة ما يمكن اعتباره تقبلا أميركيا مع حلف الناتو لظهور طرف دولي لاعب جديد وهو روسيا الاتحادية، وبذلك تم الاتفاق على تمرير بند الاسلحة الكيماوية السورية دون خضوعها للبند السابع الذي يفرض التعامل بالقوة مع الدولة ذات العلاقة، وتغير الخطاب الايراني الذي ربما اربك الساسة في المنطقة العربية، إضافة إلى سقوط حكم الاخوان في مصر وتردد قطع المساعدات الاميركية للجيش المصري ولمصر عامة، ودخول اميركا في حوار قد يتطور نحو إعادة توزيع خريطة المصالح وقبول مشاركة إيران في جزء من الكعكة، ما قد يخلق مخاوف عميقة لدى الدول المطلة على الخليج العربي.
وقد لا ينعكس الامر الحادث في منطقة الشرق الاوسط ليبقى حبيسا فيها، ويمكن تلمس اصدائه المختلفة في الشرق الاقصى حيث تمتد جمهورية روسيا الاتحادية والصين باعتبارهما اكبر مؤثرين في المنطقة، ولا يجب ان ننسى أن هناك خلافا صينيا يابانيا على الجزر الواقعة في بحر الصين الشرقي مما أدى إلى انخفاض حاد في صادرات اليابان إلى الصين، اضافة إلى تهديدات جدية من كوريا الشمالية حليفة الصين الاقرب لليابان والمتمثلة في اطلاق صواريخ بالستية سقطت في بحر اليابان، وبالرغم من احتفاظ اليابان باعتبار السوق الصينية هدفا لمنتجاتها.
يشير المحللون السياسيون إلى توجه اميركا لتقبل الصين باعتبارها دولة كبرى ستلعب دورا محوريا في الحفاظ على منطقة الشرق الاقصى باعتبارها منطقة يمكن تقاسم النفوذ فيها على الرغم من وجود دول ضاغطة مثل الهند واندونيسيا وكوريا الجنوبية، نتيجة لتعاظم الدور الصيني الجيوسياسي، وإدراك اليابانيين للخلل الذي اصاب هيمنة القطب الواحد وبدء تعدد اللاعبين، وتخلخل المسافة بين الخطاب الاميركي والفعل السياسي، بالرغم من إعلان الاميركان تحولهم نحو العودة لآسيا والتركيز على الباسفيكي، مما يثير مخاوف الساسة اليابانيين الذين مازالوا يفضلون الاعتماد على الحماية الاميركية لهم، وبذلك يبدون اكثر حذرا من بقية اللاعبين السياسيين في الشرق الاقصى.
ويقرأ بعض المحللين تلك النزعة اليابانية في تلك الدعوة التي اطلقها رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي بإطلاق نقاش وطني من أجل تثبيت وجهة نظره في انه على اليابان القيام بدور اكبر في الدفاع عن نفسها، دون التخلي عن اميركا، وخلق دور متعاظم لليابان في حماية الدول الديمقراطية في شرق آسيا وذلك من خلال لعب دور في ادارة الازمات في المنطقة عند حصولها، والاستعداد لملء الفراغ في حالة حدوثه بالنسبة لهذه الدول، فهل سنشهد دورا متصاعدا لليابان في حالة وجود كرسي فارغ في لعبة السياسة.