تقسيم العالم بين الدول الكبرى لا يبدو واضحا إلا مع بداية أية أزمة في دولة تابعة لنفوذ احدى الدول الكبرى، فعندما تتحرك كوريا الشمالية وتعلن هامشا ضئيلا من الحرية والانعتاق من الهيمنة الأميركية على برنامجها النووي نرى العملاق الصيني يتحرك ويلملم الموضوع، وهذا ما يحدث في علاقة الكوريتين والموقف الأميركي من الدعم المباشر لكوريا الجنوبية وتهديدات كوريا الشمالية المستمرة لها.
بينما تتحرك أميركا والدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا مع أي حدث في مستعمراتهم القديمة في الشرق الأوسط وأفريقيا، وهذا اكثر من واضح هذه الفترة مع إعادة تشكيل جغرافية منطقة الشرق الأوسط وخصوصا الدول العربية. أما روسيا فعندما تفكك الاتحاد السوفيتي ظلت تعاود بناء سلطتها ونفوذها لتعود وبقوة للمشاركة في اللعبة الدولية، وهذا ما نراه اليوم في موقفها الحازم من رفض الضربة الأميركية على سوريا، والمساندة غير المحدودة لنظام بشار الأسد. ولتعلن نهاية مرحلة الحرب الباردة وبداية مرحلة البعث من جديد وهي تنضج. إن روسيا اليوم لن تسمح بأن تتعرض مصالحها للمزيد من التقليص. اما الصين فهي رغم عملقتها التي تخيف منافسيها على الساحة الدولية، إلا ان زمجرتها مازالت تقتصر على المحيط المجاور، وتعطي نفسها الوقت الكافي للتغلغل في مناطق النفوذ الجديدة في أفريقيا والشرق الاوسط. وعليه تتحرك بنعومة وتعتمد سياسة رفض الحرب، والتأكيد على الحلول التي تأتي عبر المفاوضات السلمية.
ورغم غليان المنطقة والحروب بالوكالة التي تعيشها العراق واليمن وسوريا وليبيا إلا اننا نرى الصين وكأنها غير موجودة، وحتى موقفها من استخدام الفيتو ضد الضربة الاميركية على سوريا كان هادئا ودون ضجة.
والمجتمع الدولي القابض على زمام الأمور يعي جيدا أن الصين لا تهدف من الفيتو سوى ان تكون الحاضر دائما الذي يرى ان السلام هو الطريق الأنسب لاستمرار امداد الصين بالطاقة، وفتح الاسواق لمنتجاتها وهو الاهم، فأن تكون سياساتها الناعمة والضاغطة في وقت واحد تحدد لها دورا في رسم وإدارة السياسة الدولية.
وترى الكثير من التحليلات ان الصين في علاقاتها بمنطقة الشرق الاوسط تختصر وتتمثل في مصادر الطاقة والسعي إلى تحقيق التعاون في إدارة الشؤون الدولية. وتتطلع الصين لأن لا تخرج صيغة التعاون عن إطار التفاوض لحل النزاعات مع رفض التدخل العسكري. وبدأ هذا التحرك الصيني بالمشاركة في رسم السياسة الدولية بقيام البحرية الصينية بالمشاركة في الدوريات الدولية في المحيط الهندي وبحر العرب من أجل مكافحة القرصنة حول الصومال.
ومن خلال متابعة التحرك الصيني ومواقفه من القضايا الدولية نرى أن الصين تحاول جاهدة أن يكون لها دور ومكان اكثر فاعلية في القرارات الدولية بعكس روسيا فهي لا تريد إعادة إحياء الحرب الباردة بينها وبين أميركا والعالم الغربي بل تحاول ان تكون شريكا لهم. وهذه الشراكة في السياسة الدولية تتطلب العمل الهادئ خصوصا ان الصين تخرج من شرنقتها ومحيطها الذي لم تغادره منذ الحرب العالمية الثانية لتدخل بقوة في أفريقيا من خلال غزو اسواقها وإقامة المشاريع الضخمة مثل بناء السد المثير للجدل بين مصر وأثيوبيا. ومغازلتها للدول العربية من خلال عدم الاعتراض على ما تطرحه الجامعة العربية في مجلس الأمن باستخدام الفيتو ما عدا في الوضع السوري.
ولكن يظل التساؤل حول مدى استمرار هذه السياسة الناعمة في حالة تضارب المصالح الصينية الاميركية مع إعلان الرئيس الأميركي اوباما عن نية أميركا في التوجه بسياساتها إلى آسيا والمحيط الهادئ.