يتساءل الفرد حول ما دهاه حتى يتمكن من الاستماع إلى نشرات الأخبار التي تتكلم عن القتلى والجرحى وهو يتوسد متكأه بدون ما قلق أو شعور بالحزن، قد يكون الخبر عن الزلزال الذي ضرب الباكستان وارتداداته التي اوقعت كثيرا من القتلى والجرحى، أو يكون الخبر عن الموت المجاني في العراق، حيث يستمر مسلسل القتل العشوائي بالسيارات المفخخة التي تجتاح الاحياء العراقية في معظم المدن، والتي تعبر عما وراءها من إرادة سياسية تحاول أن تجر مكونين من مكونات المجتمع العراقي نحو الاصطدام، وبالتالي الذهاب نحو الحرب الاهلية إذا لا سمح الله نجحت هذه الجهود الجبارة في تعميم الخراب.
لا يمكن لأي محلل سياسي أن يدعي قدرته على قراءة النوايا للفرقاء السياسيين، ولكن بطبيعة الحال يمكن قراءة الوضع برمته واستشراف اتجاهاته، فبعد أن عانت الاقليات العراقية من (الكلدان (الآشوريين)، المسيحيين، التركمان، الغجر، اليزيدية، الصابئة، الارمن، الشبك، الزرادشتيين) نصيبها من الاعتداءات المختلفة، صار هناك توجه على ما يبدو نحو ضرب مكونات المجتمع المسلمة بعضها ببعض وإثارة نعرات طائفية حادة ادت إلى ظهور بعض النزعات نحو القتل على الهوية، تلك الهوية التي كانت تستخدم ابان الحرب الاهلية اللبنانية، تلك الحرب التي لم تنته حتى الآن على الرغم من مرور سنوات طويلة على وضع اتفاقية الطائف لحل الأزمة.
ليس هنا ما يهم سوى الموقف السياسي من تلك العمليات التي تستخدم فيها المفخخات ويقوم ببعضها افراد انتحاريون من اجل تحقيق اغراض قد تكون صغيرة في بعض الاحيان وقد تتسع دائرتها لتطال المجتمع كله، ولكن الإنسان لا يسعه إلا ان يفكر في النواتج، ويتأمل في المصير الانساني الذي تذهب نحوه مئات الضحايا من الشعب العراقي، وننظر إلى المسألة على النقيض من تلك الحالة المدنية التي تعتبر قتل انسان بريء كقتل الناس كلهم فما بالك بقتل مئات من الناس وبشكل محترف متعمد يومي، فتوضع المفخخة في الاماكن التي يتجمع فيها الناس كما حدث في قضية السرادق ومن ثم توضع سيارة أخرى توقت لتنفجر بعد الاولى حين يهب الناس لانتشال الضحايا ومساعدة المنكوبين.
أية نظرة تبيح القتل المجاني، ولم لا يتساءل البعض عن نوع الضحايا، فبينهم نساء وأطفال وشيوخ وعجزة لم يكن لهم ذنب أبدا غير تواجدهم في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، ثم بأي حق يقوم شخص ما بهذا العمل الفاجع تجاه الابرياء، ولكن كيف يمكن أن يتجاوز عن سابقة تاريخية في الحرب الاهلية الجزائرية حين نشر منشور يحض على القتل ويجيب على سؤال يتضمن كيف نذبح الاطفال وهم ابرياء، فكان الجواب أن بعضهم اولياء بعض فاقتلوهم فإن كانوا ابرياء فسيذهبون إلى الجنة، وإن كانوا مجرمين فقد حصلوا على جزائهم، هل تلك هي العدالة التي تقوم بها المفخخات في العراق اليوم، وهل هناك من يعرف قيمة ازهاق الارواح وإشعال حرب اهلية بين طوائف المجتمع الذي مازال يعاني الامرين من غياب شبه تام للتنمية وخسارة العقول البشرية بالهجرة.
ليس حال العراق وحدها هو ما يدمي القلب فقط، وإنما حين نرفع نظرنا نحو سوريا أيضا نحس بفداحة الحرب الأهلية التي تدمر البلاد والعباد، بينما يبقى أمراء الحرب يتمتعون بجهاد المناكحة ويستمتعون بالمساعدات المالية والعينية التي يفتقر اليها المهجرون داخل وخارج الدولة السورية، إن فتح الحدود لا يعني بحال من الاحوال فقط الاتجاه نحو تخفيف الحالة الانسانية لما يعانيه السوريون وإنما يعني فيما يعني ايضا التدخل في الشأن السوري، الذي تحول من شأن بين ابناء البلد لمحل يجرب فيه الكل صولة سيادته من الدول الكبرى إلى غيرها.