كان نجاح التجربة الإخوانية التركية بعد صراع مرير مع العسكر حماة العلمانية التركية بعد أتاتورك، نجاح بهر العالم الغربي وعلى رأسه أميركا، بينما كان الرئيس المخلوع حسني مبارك يستخدم الإخوان في مصر كبعبع للضغط على أميركا وبالتالي جر دعمها المستمر لبقائه في السلطة. فكان نجاح الاخوان في الانتخابات أكثر من مرة هو ما كان الأميركان بحاجة اليه لقبولهم في مصر وتونس وعدم اعلان العداء لهم خصوصا بعد تجربتهم المريرة في إيران.
الشيء الذي لم يحسبه الأميركان في دعمهم لإخوان مصر، ان الإخوان في مصر ليسوا هم الإخوان في تركيا، فالدول المستبدة لا تفرز احزابا متنورة بل اكثر منها استبدادا، وعليه لم يأخذ الاخوان المصريون التجربة التركية كمثال متقدم ينسخونها ويتعلمون منها بل فضلوا تجربة الاخوان في غزة. وحركة الاخوان في غزة سنحت لها ظروف الاستعمار والتقسيم ان تنموا على حساب الشعب الفلسطيني الذي وجد نفسه محصورا بين العدو الصهيوني والاستبداد الإخواني ودعم بعض الدول العربية له. ومن هنا بدأ الاخوان في مصر محاولة تفكيك المؤسسات المصرية على الطريقة الغزاوية والعمل على تحويلها لمؤسسات اخوانية حتى يضمنوا مستقبلا نتائج الانتخابات القادمة سواء الانتخابات الرئاسية او البرلمانية، وبالتالي اخذوا يدعمون فكرة ان الديمقراطية تتمحور في الصندوق ويرددون عبارات “الصندوق هو اللي يقول”.
المشكلة في مصر انها لم تكن يوما دولة ديمقراطية تقوم على انتخابات نزيهة، كما لم تكن فيها حرية رأي بل كانت كما هي سوريا والعراق دولة تقوم على رأي وسياسات حزب واحد هو الحزب الوطني، وحتى يضمن هذا الحزب انتصارات انتخابية دائمة وسلطة مطلقة اعتمد على إطلاق يد الفساد في الدولة بلا حساب، حتى نخر الفساد كل زاوية في مصر بشكل طولي وعرضي، وأصبحت الفئات المستفيدة من الفساد تصل حتى إلى المتسولين والفئات التي تعيش على فتات السياحة والداخلين لزيارة المحروسة، وفي مثل هذه الاوضاع سيكون رجل الشارع هو اول من سيحارب التغير حتى لو كان لصالحه.
ولم يستطع الاخوان ان يعوا الفرص فأعماهم جشعهم عن معضلة الشارع المصري فكانوا يهرولون لتحويل الدولة لدولة طالبان عربية متغاضين عن الفقر والقهر اليومي الذي يعيشه الإنسان المصري الذي قدم الشهداء ليشهد بعض التحرر والتغير عن النمط السياسي القديم، فجاء الإخوان وكل ما قاموا به هو استبدال مستبدين بآخرين، الفرق ان الجدد مباركون من قيادات الإخوان، ومصبغ عليهم هالة يفترض ان تقنع الناس انهم الأفضل حتى لو أخطأوا. واصبغوا على الرئيس المخلوع صفات قدسية أوصلته للصلة المباشرة بالنبي على الطريقة الإخوانية.
لم تفزع هذه السياسات أميركا بقدر ما افزعت السلطات العربية التي رأت فيها نموذجا اذا عمم سيطيح بكل الرؤساء العرب، ويحول الدول العربية الى امارات اسلامية. فليست اميركا بحاجة لان تقسمها فهم من سيقوم بتجزأتها وتقسيمها الى إمارات إسلامية تابعة للخلافة التركية. ولم يكن دهاء اخوان مصر بمستوى الدهاء التركي الذي اعتمد على مؤسسات وتقاليد ديمقراطية ثابتة احترمها واستخدمها لتقليم اظافر اعدائه العسكر، فبدأ بهم ثم تدرج في التوغل داخل هذه المؤسسات لتغير ما يريد وبالطريقة الديمقراطية، فيظل الاخوان في تركيا رغم كل شيء متأثرين بالغرب والمؤسسات الديمقراطية الغربية، ويرون ان مصالحهم باتجاه الغرب وليس الشرق، الشرق فقط للهيمنة عليه وتسييره وليس لتبعيته.
فتركيا بالنهاية كانت في يوم الايام هي الامبراطورية العثمانية، اطماعها واضحة ولن يمنع كونها مسلمة استمرار تطلعها لخيرات العالم العربي، تلك الاطماع التي تبدت بشكل واضح في موقفها تجاه سوريا والدفع باتجاه تمجيد ملوكها وسلاطينها واظهارهم بمظهر الأبطال الاسطوريين. إن الاخوان سواء في مصر او اية دولة عربية هم نتاج واقعهم، وهذا الواقع لم يكن يوما مبشرا، ثمانون سنة كانت كفيلة بتحويل قيادات الإخوان إلى مستبدين يتماهون مع اشكال السلطات المستبدة التي عاصروها، وعوضا عن فتح آفاق فكرية متقدمة توغلوا في ارتداداتهم حتى اصبح شكل الدولة الاسلامية ما قبل 14 قرنا هو الذي يرون انه الانسب لإنسان القرن الواحد والعشرين. ساهم الفقر والجهل في توسعهم وانتشارهم، فلما قبضوا على السلطة نسوا ما اوصلهم وتمسكوا بما كانوا سرا يسعون إليه ونسوا الإنسان المصري الذي خرج يطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية.