أثبتت التجربة مع مرور الزمن وغضب التاريخ أن ميثاق العمل الوطني هو صمام الأمان لكل البحرينيين، وأنه طوق النجاة أمام كل موج هادر من أزمات مرت على البحرين، وأنه المرجعية الدستورية والقانونية لهذا البلد، وأنه القادر على استيعاب واحتواء كل الشهيات السياسية التي توحمت على لحم الوحدة الوطنية.
الأحلام ما لم تنطلق وفق أسس ومعايير هذا الميثاق لا تقود إلا إلى مزيد من الأوجاع والآلام.
كما كان ميثاق العمل الوطني المخلص لأزمة التسعينات هو المخلص لأزمتنا الحالية فهو الذي يحفظ كل الحقوق الوطنية لكل فرد بحريني، وهو الذي يحفظ توازن العلاقة بين الفرد والدولة، ويحفظ العلاقة المتوازنة بين الجميع قيادة وشعبا.
نحن اليوم بحاجة ماسة لإعادة تنشيط الذاكرة الحقوقية لهذا الميثاق وفق أطر الواقعية السياسية والعدالة الاجتماعية دون تعليق النذور على الأزمات التي لا تورث إلا مزيدا من التراجع أو اجترار مزيد من الوجع وتدوير الآلام في زوايا تنبئ بالفجيعة، وتقود إلى تحويل المحارق إلى خيارات تتشظى إلى دموع حائرة تقود إلى صناديق مرتهنة للوجع اليومي وتجدر بؤسا لا يمكن احتماله. كبحرينيين نحن بحاجة إلى ترتيب البيت ولملمة شتات اللحم الوطني المقتطع من اللحمة الوطنية.
البحرين تكبر وتعلو عندما نضع يدنا بيد القيادة لنبني الوطن وفق أسس ومبادئ كونية عادلة تتناغى مع الإيقاع الوطني المعزوف من وحي مبادئنا وقيمنا الوطنية المتجذرة عبر التاريخ.
بعد انحسار موجة ما سمي بالربيع العربي، بدأت تتكشف حقائق وإن حاول الكثيرون إخفاءها في بئر السياسة السري خوفا من تحرك سياط العتب واللوم على من ورط الشعوب العربية بفخاخ لمعان الشعارات الأخاذة المطرزة بكريستال طموحات مربكة وملتبسة قادت إلى فتن وطنية استخدمت غربيا وإقليميا بإتقان لابتزاز الجميع تحت مظلات حقوق الإنسان أو العدالة.
السياسة ما لم تحافظ على سيادة الوطن وأرواح البشر لا يمكن أن تبشر بفردوس أو جنة وطنية موعودة.
السياسة التي تقود إلى إسقاط النظام الاجتماعي والبنى السياسية الشرعية تقود إلى الفوضى والضياع وتراكم الأوجاع وتؤدي إلى محصلة قناعة مخفية تارة وتارة ظاهرة مفادها “ليت الذي كان لم يكن”.
بعيدا عن المزايدات والخطاب “الدوماغوجي” المتخفي خلف المكابرة لابد من الإفصاح بأن ما سمي بالثورات كرست حزنا طويلا ووجعا كبيرا وفوضى وإرباكا لكل العالم العربي والشعوب هي الخاسرة.
يقول الإمام علي عليه السلام “كن في الحرب بحيلتك أوثق منك بشدتك، وبحذرك أفرح منك بنجدتك، فإن الحرب حرب المتهور وغنيمة المتحذر”.
في الأزمات يعد العقل أفضل ضمان للبشر، وأن تكون حذرا لا طالبا لنجدة، والنصر يكون للعقل والمتحذر من الانفلات في الكوارث.
انتخابات 2014 كما يبدو بدأت تطرق باب البحرين، واستمرار الديمقراطية البحرينية خلال الأربع سنوات الماضية والمجلس الوطني رغم الهزات العنيفة، دليل دامغ على أن المراهنة على توقفها لم تكن دقيقة في تقدير الموقف.
وجاء الوقت لإعادة المراجعة وجدولة القرارات، لا بديل للبحرينيين إلا حجز مقاعد لهم في الانتخابات القادمة، والسير بالوطن إلى المحطات الأكثر أمنا وسلامة وتطلعا للبحرين. منذ انطلاق ما سمي بالربيع العربي الذي سميته بالبعير العربي، كنت ناقدا له بعنف، لإيماني ومعرفتي بشهيات الغرب في ابتزاز العالم الإسلامي، ويقيني أن السياسة هي التعقل وفن “الخطوة خطوة” لا حرق المراحل، فرفعت صوتي محذرا من أن السياسة التي تقود إلى الانقلاب لا تقود إلا إلى مزيد من التراجع، لذلك حذرت من أن تحول هذه الخضات الوطن العربي إلى سيارة إسعاف.
وللأسف هذا ما حدث، فهل نميز اليوم بين الشعارات الرائعة والمروعة، والمطالب العادلة من الشعارات القاتلة؟ الالتفاف على الواقع بضخ مزيد من الضحايا والآلام لن يشفي التاريخ ولن يشبع دولا متصيدة لأوطاننا ولو كانت الفاتورة نعوش شعوب وأوطان. فلنروي زهور الحديقة السياسية بالماء أفضل من ريها بالحزن والبلاء، وليس هناك نعمة أكبر من الأمان. عقلية منطق الانتحار لم تخدم العالم العربي منذ اندلاع الأحداث في 2011 بل زادته تراجعا وفوضى ووجعا، ألم يكن العالم العربي قبل غواية الأحداث، أكثر جمالا وتماسكا ووحدة وطنية.
دعونا نقرأ فنجان السياسة دون الالتفاف على خيبات القدر ولنمزق ما وقعنا عليه من أوراق عقد مع البؤس والفنتازيا السياسية.