العدد 1858
الجمعة 15 نوفمبر 2013
عملية بارباروسا (7) خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 15 نوفمبر 2013

في 22 يونيو عام 1941م عند الساعة الثالثة صباحاً، تم إيقاظ الزعيم الفاشي الإيطالي (بينيتو موسوليني) من فراشه؛ ليقرأ خطاب هتلر عن اجتياح الاتحاد السوفيتي:
“عزيزي بينيتو، إنني أشعر بنفسي الآن حراً من جديد. لقد كان التحالف مع ستالين ضد طبيعتي، وإنني جداً سعيد الآن أنني تخلصت من هذا العذاب النفسي”.
كان هتلر قد غير اسم الحملة من (فريتس) إلى (بارباروسا) تيمناً بالملك فردريك الأول، الذي قاد الحملة صليبية في القرن الثاني عشر.
أما (ستالين) فعندما أيقظه المارشال (جوكوف) من نومه صاح به متوعداً: هل تريد الحرب؟ ألم يكفِ النياشين التي زخرفت بها صدرك؟ ألم تشبع من المناصب؟ أم تريد رتبة أعلى؟
هتف به الجنرال، ياسيدي لقد غزانا النازي في عقر دارنا، أنا آسف لإزعاجك!!
ومع نسمات السحر كانت القوات النازية تعبر الحدود كأنهم جراد منتشر، ويزحف أعظم جيش عرفه التاريخ باتجاه الشرق في يوم نحس مستمر، في حملة تكونت من ثلاثة ملايين جندي و600 ألفاً، من أمم شتى (كروات فنلنديين رومانيين هنغار إيطاليين سلوفاك وإسبان)، محمولين على ظهر 600 ألف عربة عسكرية و3350 دبابة، وأكثر من ثلاثة آلاف طائرة حربية، يقودها طيارون مدربون، مع 625 ألف حصان.
كانت توقعات هتلر أن الاتحاد السوفيتي لا يزيد عن بيت كرتون، وأن مسألة زواله أسابيع قليلة من الزمن الكئيب.
كانت نشوة الظفر مع الحرب الصاعقة، والقوات المدرعة المحمولة، شيء لم يعهده العالم من قبل، فكما فاجأ جنكيزخان شعوب القرن الثالث عشر، بنظام القوات المحمولة على ظهر الخيل؛ فعل هتلر نفس الشيء بحمل الجنود على ظهور المدرعات.
بهذه الطريقة اجتاح (غودريان) بعرباته المدرعة والدبابات خط (ماجينو) كما يقطع السكين الزبدة وما أدراك ماخط ماجينو؟
تنقل لنا يوميات (يوسف غوبلز) وزير الدعاية النازي الذي مات منتحراً بالسم هو وزوجته وأولاده الستة لاحقاً، أن هذا الارتطام يشكل صدفة عمياء، ففي نفس اليوم 22 يونيو قبل 129 سنة اجتاح نابليون روسيا بنصف مليون جندي، ورجع مذؤوما مدحورا، لمن تبعه في عدد ضئيل (من أصل نصف مليون جندي رجع 25 ألفا أي واحد من عشرين ممن ذهب في الحملة!).
من قهر جيش نابليون كان البرد أكثر من السونكي والبارود رجع يجر أذيال الخيبة بعد أن قضى عليهم الجليد والمسغبة والمرض.
ويعتبر المؤرخ البريطاني (إيان كيرشو Ian Kershaw) أن حجم الارتطام العسكري الذي بدأ في يونيو 1941م فاق كل تصور، وقرر نهاية الحرب الكونية، فامبراطورية هتلر يومها امتدت من حافة الأطلنطي إلى نصف بولندا، ومن القطب الشمالي إلى جزيرة كريت، وكانت النرويج والدانمارك قد استسلمتا، وتم اجتياح فرنسا بحرب صاعقة، وفي أسابيع قليلة تم احتلال البلقان، ولم يبق في الميدان إلا بريطانيا التي سقطت قواتها بمئات الآلاف على الأرض الفرنسية في (دين كيرشن Duenkirchen) ثم تركها هتلر تنجو تحت مرمى نار مدفعيته وتنسحب على زوارق الصيد في سر غامض لا أحد يملك سره بالضبط (تكهن المفكر الجزائري أنه رسالة لتشرشل لتسليم المستعمرات من يد استعماري إلى يد استعماري ألعن مقابل أن تحفظ لبريطانيا كرامتها!).
وفي الشمال الإفريقي كان يتقدم ثعلب الصحراء رومل باتجاه مصر وينابيع النفط في الشرق الأوسط، في الوقت التي زحفت القوات النازية باتجاه باكو في آذربيجان، وترفع الصليب المعقوف فوق أعلى قمة في قفقاسيا (البروس Elbrus).
كان واضحاً أن هتلر يقوم بتطويق الجناحين على العالم القديم، لولا عقدة ستالينجراد التي لا تشكل أي قيمة إستراتيجية، في عملية التطويق، سوى أنها تحمل اسم الطاغية (ستالين) ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً.
كانت أميركا على الحياد، ويتجنب الأميركيون خوض الحرب من جديد في القارة العجوز.
وفي أقصى الشرق كانت اليابان تحتل منشوريا وقسما من الصين وتهيمن على مقدرات الشرق الأقصى من ماليزيا وبورما حتى الفيلبين وجزر شتى منثورة في المحيط (زولون ومارشال وماريانا الخ..).
جاء في تعليمات هتلر أن هذه الحرب سوف تختلف عن كل حرب خاضها من قبل. يجب أن تخاض بغير رحمة، ويجب تفريغ الأرض من الشعوب السلافية الوضيعة؛ من أجل إعدادها للشعب الآري الذي سيحكم المستقبل (نظرية المجال الحيوي Lebensraum).
وفي أوكرانيا استقبل الناس الفاتحين بالترحاب والبيض والحليب، وفي قفقاسيا اعتبروهم (الشيشان المسلمون) مخلصين من الروس والقوزاق؛ فدفعوا الثمن لاحقا وما يزالون..
لقد تبين أن الشيوعيين الحمر يستعبدون، وأما النازيون فلا يبقون على شيء. ومات بين برلين وموسكو أكثر من كل جبهات الحرب؛ فقتل 9 ملايين جندي من الجيش الأحمر و3.5 ملايين مدني.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .