مما يذكر المصور “يوشيتو” عما رأى في جحيم هيروشيما ما يلي: “كان ركاَّب “الترام” في منظر مفزع حقاً، فبعضهم قد تمزق وسقط أرضاً، ولكن الكثيرين كانوا يجلسون في مقاعدهم، قد حافظوا على هيأتهم كما كانوا، وكأن شيئاً لم يحدث، ومما لفت نظري يومها اثنان مازالت أيديهما تقبض على أحزمة الجلد (القشاطات) مثل مخالب الصقور، وكأنهم أمسكوها لتوهم، بعد أن أعلن الترام الصفير بدء التحرك الى المحطة التالية.
كانت وجوههم بلون عجيب؛ فكأنها طليت بفحم المداخن الأسود. كانت الوجوه الجميلة قد شوهت بكل السخام والقتام الفظيع. كانت المحافظ بجنب الناس بدورها متفحمة، كانت المظلات وأشياء أخرى كثيرة من حاجيات الناس اليومية قد أكلتها النيران، وحولتها الى قطع متفحمة شوهاء بلهاء.
كان الشيء المشترك والمريع؛ يتابع المصور الياباني قصته: والذي ترك في نفسي أثراً لا يمحوه مرور الليالي؛ تلك الوجوه والنظرات الفارغة من المعنى، المحملقة في الأفق البعيد، بعد أن غلفها البلى وعانقت الموت. الموت الذي جاءها من بعيد من أميركا، الذي عرفنا لاحقاً أنه جاء من لوس آلاموس.
كأن الناس في متحف شمع، ولكن بلون أسود قاتم، قد انطفأت الحياة وتوقفت فيها كما تخيلت مدام دي توسو في لندن عفوا في اليابان.
ويبقى السؤال لماذا لم يصور تلك الوثائق التي لا تقدر بثمن للجنس البشري؟.
يجيب المصور الياباني (يوشيتو ـ ماتسوشيجي): كان سببه التقاليد اليابانية، التي تنهى عن النظر في وجوه الأموات والمصابين، والتعليمات الصارمة العسكرية، أن لا تصور المشاهد المروعة والمقيتة من الجثث المشوهة، كي لا يفت في عضد الناس، وتنهار المعنويات.
كان العسكريون يريدونها جذعة لا تهدأ. آلة تستمر بالحرب النشيطة، والناس تغذيها. نار تتلظى بالقرابين البشرية بدون انقطاع، وتقول هل من مزيد؟.
لم يكن يدري المصور أن ما رأته عيناه، كانت المشاهد الأولى من حرب نوعية جديدة، قفزت فيها القوة الى سقف النجوم المستعرة، وأنه دخل عصر الذرة.
في نفس صباح هيروشيما المنكود النحس وعلى الشاطئ الآخر من الأطلنطي، كان الرئيس الأميركي (ترومان) يجتمع مع (ستالين) على مائدة مفاوضات تقاسم الكعكة، كان اللقاء بين أنقاض وخرائب المدينة الألمانية (بوتسدام) في صدد تقسيم العالم، والنفوذ في مرحلة ما بعد الحرب الكونية الثانية!.
قد علت البهجة وجه الرئيس الأميركي، وغطى السرور محيا الطاغية ستالين، ظهر ذلك في حركات أيديهم والمعاصم وإشراقة العيون والابتسامات العريضة والنكت!.
وضعت بين يدي ترومان البرقية (العملية تمت صباحاً. التشخيص لم يكتمل بعد. يبدو أن النتائج مطمئنة. وفاقت كل التوقعات).
عندما سطعت الشمس النووية، وحلَّق “الفطر النووي” البئيس فوق مدينة “هيروشيما”، وطوى تحت جناحيه أشباح وأرواح عشرات الآلاف من البشر، تذكرت عائلة “ويسل مان” وسائق القطار “ايدلين” والمذعور “لويس فاريس” من قرية “كوريثوثو” تلك الظاهرة الغريبة التي أوحت لهم بسطوع الشمس مرتين صبيحة يوم 16 جولاي 1945. كانوا الشهود الأوائل على سطوع الشمس النووية الجديدة، بل وولادة عصر جديد. وتبين أن ما شاهدوه كان في الواقع تجربة أول انفجار نووي على ظهر الأرض، في صورة تفجير قنبلة البلوتونيوم 239.
بقي أن نقول إن منظر الفطر النووي حول راحلته ليبزغ مرة أخرى بعد ثلاثة أيام، فوق مدينة أخرى، كأن ما حدث في هيروشيما لم يكن كافياً، فتكرر منظر الحرائق واللهب والتفحم والانفجار؛ فالتهمت النار ذات الوقود مرة أخرى قريباً من مئة ألف إنسان في مدينة ناغازاكي.
كان قرار الرئيس الأميركي ترومان صارما واضحا: “نقل ربع مليون انسان الى العالم الأخروي في أيام معدودة، وانعطاف نوعي في تاريخ الجنس البشري”.
في نفس يوم التاسع من آب الذي مسحت فيه مدينة ناغازاكي، كانت مدينة هيروشيما تضمد جراحها، وتكنس الخرائب التي لا تنتهي، ويبدأ الترام فيها صفيره مرة أخرى، وتدب الحركة والحياة فيها من جديد، في أقل من 72 ساعة، شاهداً على حيوية شعب بإرادة أقوى من السلاح الذري.