العدد 1844
الجمعة 01 نوفمبر 2013
مرض الأشعة خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 01 نوفمبر 2013

في محرقة هيورشيما نجا الدكتور (ميشيهيكو هاشيا MISHIHIKO HACHIYA) بأعجوبة بعد أن سقط منزله فوق رأسه، ونزف من أربعين جرحاً في جسده ورأسه، وعندما انطلق إلى الشارع اكتشف نفسه عارياً!!
يقول الدكتور (هاشيا) كان منظر العري هذا متكرراً، حيثما وقعت عيني على الكارثة، فالضغط والحرارة والحرائق، أطاحت بكل شيء بما فيها الملابس، ولكن كشف العورات مع لهيب الحرائق لم تترك فرقا أن يفرق المرء بين الذكر والأنثى، كان الأمر أفظع بكثير.
وفيما كان الدكتور هاشيا يُعالج في مشفاه الذي كان مديراً له، أثارت فضوله العلمي ظاهرة محيرة لم يعرف كيف حدثت، ماهو نوع السلاح المستخدم الجديد؟
لاحظ الدكتور هاشيا أن مرضاه يتغوّطون دماً على شكل إسهال مدمى، مما جعله يخطر إلى ذهنه أن السلاح قد يكون من النوع البيولوجي؟!
ولكن مظاهر أخرى رافقت هذه الظاهرة، من نقص المناعة وانخفاض عدد الكريات البيض، إلى حدود 500 كرية في المليمتر المكعب الواحد (الطبيعي يتراوح بين 4000-7000) والتهاب الحلق الشديد، وسقوط الشعر، ونقص الشهية، وتراجع الوزن، وارتفاع الحرارة، جعله يفكر ويطلق على هذه الظاهرة - وكان محقاً في هذه التسمية وكان الأول الذي لفت النظر إليها - سماها (مرض الأشعة)!
قال الدكتور هاشيا إذاً فهذا السلاح الجهنمي يفسر ظاهرة تساقط الأموات، دون توقف، مع اختفاء النيران والدخان والحرائق، بل وعودة الحياة الطبيعية إلى مدينة هيروشيما.
ومازال الفريق العلمي حتى اليوم بعد مرور أكثر من نصف قرن على المحرقة العظمى، مازال يتتبع الآثار المدمرة للإشعاع الذري.
هذه المفاجأة غير السارة في تلويث البيئة بالأشعة جعلت السلاح النووي خطيراً للغاية، ولم يكن في حساب الفيزيائيين، الذين أقدموا على التلاعب بقوى الكون من أجل الانتصارات العسكرية.  كان المراسل الصحافي (يوشيتو ماتسوشيجي YOSHITO MATSUSHIGE) يعمل لصالح جريدة (شوجوكو شيمبون CHUGOKU SHIMBON)، والتي مازالت الجريدة الرسمية في هيروشيما حتى اليوم.
يقول كان عمري يومها 32 عاماً (لعله مازال على قيد الحياة يرزق وقد تجاوز الثمانين ولعله مازال يمارس مهنته المحببة التصوير): عندما سقط منزلي فوق رأسي بعد ظاهرة البيكادون، هُرعت على متن دراجتي لأعرف ما حل بالمدينة، وكذلك ما جرى لمحل الحلاقة الذي تعمل فيه زوجتي..  يروي بأن ما وقعت عيناه عليه كله تهدم، ولكن كاميرته من نوع (ماميا MAMYA) كانت ما تزال تعمل، فانطلق وهو يتأرجح على الدراجة، ولم ينتبه إلى جروحه التي كانت تنزف، كل ما استولى على تفكيره كان مصير صالون الحلاقة التي تعمل فيه زوجته.
كان منزله يبعد 2700 متراً عن النقطة زيرو (ZERO صفر) لمركز الانفجار. مازال يتذكر ويقول: حقاً إنه شيء عجيب أن يجرح الإنسان دون صوت قنبلة! وعندما وصل إلى مركز المدينة، رأت عيناه ما ندم على عدم توثيقه بالكاميرا! كان الشاهد والمصور الأول، الذي خرج من الأتون النووي حياً، ولم ينتبه إلى أنه كان أول من رأت عيناه الهول، ولكنه لم يصور سوى خمس صور يتيمة، هي كل مابقت للجنس البشري من نيران تلك المحرقة. نذيرا للبشر عن هول ما حدث!
في سوريا حصل نفس الشيء من أحداث حماة في سوريا في الثمانينات، فلم يكن ثمة صور للمحرقة. أما جورنيكا في إسبانيا فقد خلدها بيكاسو.
هذه اللقطات الخمس من هيروشيما، مازالت تتكرر ملايين المرات حتى اليوم، بمثابة الشاهد الوحيد اليتيم عن آثار الحرب النووية، كشاهد ليوم الفزع الأكبر الذي حل بهيروشيما، ولم يعلم وقتها أن قنبلة ذرية انفجرت فوق رأسه لأول مرة في تاريخ الجنس البشري، التي ربما لن يراها البشر مرة ثانية. نقول ربما.. ربما..
هل يحق للفأر أن يتشاءم إذا رأى قطة سوداء؟
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .