العدد 1837
الجمعة 25 أكتوبر 2013
البيكادون (PIKADON) الالتماع المدوي (النووي) خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 25 أكتوبر 2013

نحن الآن في اليابان صبيحة يوم السادس من أوغست من عام 1945م. كانت (ساكائي ايتو SAKAE ITO) في مجموعة من المتطوعين، لتهيئة مدينة هيروشيما لمقاومة هجوم جوي، تتذكر كيف شبت النار في معطفها فجأة بدون سابق إنذار، وخلال لحظات عم الظلام، ثم بدأ مطر أسود لزج قطراني يتساقط من السماء. لم تفهم ما حدث.
وجدت نفسها تحت أنقاض منزل! وعندما نظرت باتجاه تلة (هيجي ياما ـ HIJIYAMA) رأت القمة بوضوح وكأنها قريبة.
لم يبق هناك من المدينة ما يعزل عن رؤيتها؛ فالمدينة كنست!.
اندفعت باتجاه جسر (تسورومي ـ TSURUMI) وهي تتساءل أية قنبلة هذه التي حولت كل المدينة الى أنقاض، لم تسمع انفجارا؟ أو ترى حفرة في الأرض!.
هكذا اصطلح أهل المدينة على تسمية ما حدث “بيكادون”، وهي اجتماع كلمتين (البيكا) وتعني الالتماع و(الدون) الصوت الخارق المدوي.
كل من كان في المدينة لم يشعر الا بالالتماع والتوهج، ومن كان في البعيد رأى تألق الضوء وصوت الفرقعة.
كانت طوابير الناس المحترقة المتألمة المختنقة والمتبقية من (الهولوكوست) المحرقة الكبرى، تزدحم في الجسر، تئن من الألم، يغلفها منظر واحد مكرر، حفاة عراة، لم يتبق على أجسادهم ما يغطيها، تجنباً لاحتكاك الجلد المحترق المؤلم، قد تدلت قطع الجلد المحترقة المهترئة، يلوح بها الهواء.
لم يعد يفرق بين الذكر والانثى، الوجه من القفا، يصرخون في طلب الماء، يتأوهون من الألم، يجرون أقدامهم بين الجثث المتناثرة، قد احترقت شعورهم وتجعدت وتصاعدت رائحة الشواء منها، وانتفخت وجوههم من الحرق، فلم يعد بالإمكان التعرف على هوية المصاب، والكل كأنه في حلم!.
ما الذي حدث؟ ما الذي دهى البلد؟ هل هو سلاح؟ هل هي نهاية بومبي كما في بركان فيزوف في إيطاليا الذي دفن المدينة في العصر الروماني؟ أم هي نهاية العالم ويوم القيامة التي تحدثت عنها الكتب المقدسة؟ لا أحد يملك التفسير، لا أحد عنده الإجابة.
كان الجميع يبحثون عن أي مصدر للماء، لتخفيف آلام حروقهم، فعمد البعض الى دفن رؤوسهم في أحواض الماء، التي خصصتها الحكومة لإطفاء حرائق الحرب، وبدأ البعض في تحريك رؤوسهم في هذه الأحواض، إلا أن الموت فاجأهم فبقوا جثثاً فوق الأحواض.
وما تبقى منهم جاء وصفهم على لسان كاتب ياباني معروف هو (يوكو اوتا) ما يلي: (لم أتوصل بسهولة إلى فهم، كيف استطاعت بيئتنا أن تتحول إلى هذا الشكل، خلال لحظة، وظننت أنه من المفروض أن يكون قد حدث شيء ما، لا علاقة له مطلقاً بالحرب، لاشك نهاية العالم، كما كنت اقرؤها في الكتب عندما كنت طفلاً).
أو ما رواه شاهد عيان: (بعد قليل شرعت مواكب المعوقين من جميع الأنواع والأشكال، لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، تتهافت وهي تنزح من وسط المدينة، باتجاه الضواحي المحيطة بها. كانت أذرعهم تتدلى ووجوههم، ليس فقط جلود أيديهم وحدها، بل أيضاً جلود وجوههم، وجميع أطرافهم كانت تتساقط مهترئة، ولو اقتصر الأمر على شخصين أو ثلاثة لهان الأمر، ولكن حيثما كنت أتوجه كنت أصادف مثل هؤلاء البؤساء، كثيرون سقطوا أمواتاً على طول الطريق، ومازلت أراهم ثانية وهم يتقدمون كالأشباح، ولم يبد عليهم أنهم ينتمون إلى هذا العالم.. وبسبب جراح اولئك الناس لم يكن بالإمكان أن يعرف فيما إذا كنا نراهم من الوجه أو الظهر).

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .