العدد 1830
الجمعة 18 أكتوبر 2013
مشاهد من هيروشيما خالص جلبي
خالص جلبي
الجمعة 18 أكتوبر 2013

كانت المعلمة “كاتسوكو هوريبي ـ KATSUKO HORIBE” بفعل ظروف الحرب قد قررت القدوم بشكل مبكر الى المدرسة الابتدائية “هونكاوا ـ HONKAWA” وكان الوقت ثواني قليلة بعد الدقيقة 16 من الساعة الثامنة صباحاً، وقد اجتمع الطلبة وبدأت الحياة تضخ بنظمها المعهود عندما قامت القيامة.
في هذه الأثناء كان الموت يزحف فوق الرؤوس، بعد أن اتخذ الرئيس الأميركي “ترومان” قراره وبتوقيع واحد بالضرب المتتالي المزدوج للمدينتين، على أن يكون متتابعاً مريعاً مفاجئاً ساحقا ماحقا، وبدون أي إنذار، أو تجريب للعيان، وأن يحرق هؤلاء اليابانيون العنيدون مع نسمات الصبح الأولى، نذيرا للساموري لمن شاء أن يحارب أو يستسلم؟ كي تكون جرعة الصدمة والرعب في أقصى مداها وجرعتها.
تقول المدرِّسة “كاتسوكو” إنها لم تسمع شيئاً على الإطلاق، ولكنها لاحظت فجأة أن غرفة التدريس غرقت بضوء أزرق متوهج يكاد يعمي الأبصار، ثم انفجر زجاج النافذة، وطارت الشظايا البللورية، لتغرز نهاياتها الحادة في رأسها وذراعها الأيسر. لم تشعر بشيء ولكنها ارتمت أرضاً، وخلال لحظات ساد سكون قاتل، ثم ساد ظلام عجيب، وكأن النهار تحول الى ليل. كانت الصدفة لا أكثر هي التي أبقت على حياة المدرَّسة “كاتسوكو هوريبي” لأن زملاءها العشرة الذين جاءوا بالترام على الموعد، تحولوا في لحظات الى قطع من الفحم الأسود “اختارت أميركا المكان والزمان بدقة لإيقاع أكبر قدر من الخسائر، وأعظم عتبة من الخوف والمفاجأة فألقت القنبلة بدون سابق إنذار”.
كذلك حالف الحظ المدرسة “كاتسوكو” في مركز الانفجار؛ فالمفروض أن تكون نقطة الانفجار 250 مترا فوق جسر ايوئي “AIOI” الذي حصل أن مركز الانفجار حصل بارتفاع 550 مترا، فوق مستشفى “كا أورو شيماس” كما ذكرنا.
أما المشفى فقد اختفى بالكلية، وانمسح من الوجود بكل ما فيه من أشياء وأناسي. تبخر الجميع في وهج حرارة وصلت الى 300 ألف درجة، حولت في مدى نصف قطر 500 متر كل شيء الى رماد وهباب فحم، وحتى 3.2 كم ارتفعت الحرارة الى 3000 درجة؛ فعرضت كل من صادفته الى أبشع الحروق، والى مسافة 14 كم احترق الورق، وبذا تحولت هيروشيما تحت تأثير الضغط والحرارة والاشعاع الى جهنم تتلظى، فقضى نحبهم فورا ثمانون ألف انسان من السكان، ثم تتابع عشرات الألوف بعد ذلك، ليقترب العدد الإجمالي الى قريب من 150 ألف انسان.
عندما استعادت “كاتسوكو” وعيها اندفعت الى المدرسة باتجاه نهر “الموتوياس” لإنقاذ سبعة أطفال من حرق مرعب أكل وجوههم، وحول ملابسهم الى أسمال ومزق. صاحت بالأطفال: “باتجاه النهر.. عليكم بالنهر!”. كان النهر هو أملهم الوحيد، ولكن الـ 120 مترا أصبحت طريقاً لا ينتهي، بين جثث محترقة، وأكتاف تتدافع، قد أصابها من الحرق ما حولَّها الى جموع شاردة مجنونة، تزعق من الألم، كما أن النهر بذاته أصبح مطوقاً من النار من كل جانب؛ فمركز المدينة بالكامل قد استحال الى كتلة نارية ملتهبة، تزداد بالاتساع، واختفى الأطفال السبعة من ناظريها في الاتون الملتهب. شعرت المدرِّسة “هوريبي” بأنها تموت، واستولى عليها نوبة من الاقياءات المرة، وعندما نظرت الى ملابسها كانت مقطعة قد غرقت بالدماء. لم تعرف تفسير ما حدث، هل هي نهاية العالم؟ ما بال هذه الجثث المحترقة؟ ما معنى أكوام الموتى؟ قصدت النهر فغطست فيه حتى الذقن هرباً من النار الحارقة، حتى إذا انتعشت هرعت الى بقايا مدرستها، التي كانت مبنية من الخرسانة المسلحة المتينة، والتي كانت خلف نجاتها؛ فرأت منظراً لا تنساه: كانت بقية زميلاتها من المدرِّسات قد تحولن الى قطع متناثرة من الجثث المتفحمة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية