احتلت الأحداث في أوكرانيا - التي توجت بفرار الرئيس الأوكراني يانكوفيتش إلى مكان مجهول ومن ثم ظهوره في روسيا بعد مجزرة قامت بها القوات الخاصة للشرطة الأوكرانية المعروفة بالبيركوت وراح ضحيتها 100 قتيل من المحتجين في ساحة الاستقلال - حيزا كبيرا من الأخبار، ولكي نعرف خلفية ما حصل لابد أن نرجع أولا إلى الوراء لمعرفة خلفية الصراع الروسي الأوكراني، فجمهورية أوكرانيا التي كانت سابقا إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي وتعتبر ثاني جمهورية من حيث عدد السكان وثالث جمهورية من حيث المساحة كانت تعتبر إحدى مراكز القوى الرئيسة في الاتحاد السوفياتي، حتى ان الرئيس السوفياتي السابق خروتشوف قام بضم شبه جزيرة القرم إليها في خمسينات القرن الماضي رغم أهمية هذه المنطقة الواقعة في البحر الأسود لروسيا العمود الفقري للاتحاد السوفياتي، وكذلك فإن كمًّا كبيرا من الترسانة النووية السوفياتية كان مستقرا فيها، كما أن أوكرانيا تشكل الحدود بين روسيا وغرب أوروبا.وعندما انهار الاتحاد السوفياتي بدأت الخلافات حول تقسيم تركة الاتحاد السوفياتي وخصوصا الأسلحة النووية التي انتهى الأمر بتسليمها إلى روسيا مقابل حزمة مساعدات اقتصادية لأوكرانيا، والمسألة الأهم كانت في القاعدة الرئيسة لأسطول البحر الأسود الروسي الواقعة في مدينة سيفوستوبيل، وهي إحدى مدن شبه جزيرة القرم، وكان هناك جدل كبير حولها حتى انتهى الأمر بتوقيع عقد إيجار لهذه القاعدة ينتهي عام 2017. وتتألف أوكرانيا من القومية الأوكرانية التي تشكل الغالبية الساحقة في غرب أوكرانيا بينما يشكل الروس غالبية شرق وجنوب أوكرانيا، ومن هنا بدأ صراع بين القوميين الأوكران والروس حول اللغة الرسمية للبلاد انتهى بتغلب القوميين واعتماد اللغة الأوكرانية لغة رسمية للبلاد مع اعتبار اللغة الروسية اللغة الثانية فيها. واقتصاديا، فإن الغاز الذي تعتمد عليه أوكرانيا بشكل كبير في تغذية مصانعها وتدفئة البيوت فيها يأتي بأكمله من روسيا، كما أن أنبوب الغاز الرئيس الذي تصدر منه روسيا غازها لأوروبا يمر عبر الأراضي الأوكرانية. كل هذه الأمور جعلت من أوكرانيا هما كبيرا للساسة الروس الذين لم يوفروا أي مسعى للحفاظ على هذه الجمهورية في فلكهم ومنعها من الانجرار نحو الغرب وسخرت لذلك جيشا من الساسة الموالين لها الذين دعمتهم بكل الوسائل كي يتمكنوا من الفوز بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية بكل ما يشوبها من شكوك حول مدى نزاهتها وشفافيتها. ومن الجانب الآخر، فإن الغرب أيضا لم يوفر جهدا لدعم المعارضة القومية الأوكرانية التي تطالب بقطع النفوذ الروسي في أوكرانيا والاتجاه بكامل الثقل نحو التكامل مع الاتحاد الأوروبي اقتصاديا وسياسيا وعسكريا.وقد شهدت أوكرانيا نزاعات سياسية عدة وأهمها ما عرف بالثورة البرتقالية التي أوصلت موالي الغرب إلى السلطة ولكن الجناح الموالي لروسيا سرعان ما قام بإقصائهم من السلطة. وقد كانت تهمة الفساد هي السلاح الأقوى في الصراع السياسي بين الجانبين، حيث تم وضع كثيرين من قادة المعارضة وعلى رأسهم رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيمونشكو خلف القضبان بهذه التهمة، علما أن غالبية الساسة الأوكران بمختلف توجهاتهم ذوي خلفية مشكوكة من الفساد بل وحتى أن بعضهم كان من زعماء المافيا التي تشكلت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. ومع مجيء الرئيس يانكوفيتش إلى السلطة وضعت روسيا كل ثقلها خلفه ودعمته سياسيا واقتصاديا لقطع الطريق بشكل نهائي أمام أي تقارب مع الغرب وهو ما توجه يانكوفيتش برفضه توقيع معاهدة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي أشعلت فتيل الاضطرابات الأخيرة التي أطاحت به من سدة الرئاسة الأوكرانية. وعقب سقوط الرئيس بدأت اضطرابات واسعة في شبه جزيرة القرم اتخذت جانبا عسكريا في ما يشبه الانفصال عن أوكرانيا وكانت أصابع روسيا واضحة فيه نظرا لما تشكله هذه المنطقة من أهمية إستراتيجية لها وخصوصا قاعدة الأسطول الواقعة في سيفستوبل، التي تخشى روسيا من إلغاء أوكرانيا لعقد تأجيرها مما يجعل الأسطول الروسي العملاق بلا قاعدة تأويه. إن الوضع الأوكراني لن يستقر بهذه السهولة، فالمعارضة الأوكرانية التي قادها الملاكم فيتالي كليتشكو والمطربة روسلانا لا تمتلك الخبرة الكافية للصمود أمام ما ستحيكه روسيا التي تمتلك أوراقا كثيرة لتلعبها في أوكرانيا غير التدخل العسكري المباشر الذي وعدت موسكو بعدم اللجوء إليه. إن الاقتصاد الأوكراني هو الخاصرة الضعيفة في هذا البلد، فهو اقتصاد هش ينخره فساد حكومي وفساد رجال الأعمال من كل الجهات مقسما البلاد إلى فئة فاحشة الثراء بشكل لا يصدق وفئة شبه معدمة تكاد لا تجد قوت يومها. وبالتالي فإن أي ضغوط روسية على هذا الاقتصاد وأهمها الغاز ومشتقات البترول قد تدفع به إلى الانهيار التام. ومن جهة أخرى، فإن الغرب لن يتخلى عن الفرصة الذهبية التي سنحت له بالسيطرة على مقاليد الأمور في أوكرانيا مما يبعد الخطر الروسي عن أراضيها خطوة إلى الوراء وسيحاول أن ينهض بالاقتصاد الأوكراني المريض قدر استطاعته؛ كي يصمد أمام الضغوط الروسية. وعليه، فإن لعبة المساومات بين روسيا والغرب ستبدأ وهي التي ستحدد مصير هذه الدولة الواقعة في قلب أوروبا وستكون الأيام المقبلة حبلى بالمفاجآت دون أدنى شك.