يحكى أنه في أحد الأيام طاردت الكلاب ثعلبا وكادت أن تمسك به لولا أنه دخل في جحر لم تستطع الكلاب أن تدخله، وظلت الكلاب تنبح خارج الجحر, وعندما التقط الثعلب أنفاسه فكر مع نفسه وقال ِشكرا لأذُنَيّ اللتين سمعتا صوت الكلاب وحذرتاني، وشكرا لأنفي الذي شم رائحتها، وشكرا لأطرافي التي ركضت أسرع من الكلاب، وشكرا لعينَيّ اللتين لاحظتا هذا الجحر الذي أنقذني، وهكذا حتى وصل إلى ذيله فنظر إليه وقال أما أنت ياعديم الفائدة فلم تفعل أي شيء لإنقاذي، ولا أراك سوى ثقلا لا يرجى منه خير، وسأرميك للكلاب تفعل بك ما تشاء ثم استدار وأخرج ذيله من الجحر فأمسكت به الكلاب وسحبت الثعلب إلى خارج الجحر ومزقته إربا.
عندما نسمع في الأخبار عن الصراعات القومية والطائفية والحزبية في الدول العربية ونقرأ التصريحات التي تنادي كل منها بطرد المكون الآخر للمجتمع واعتباره دخيلا إضافيا وعديم الفائدة أتذكر هذه القصة, فالمجتمع كل المجتمع بأقلياته وغالبيته هو جزء واحد لا يتجزأ ولا يمكن فصلهم عن بعضهم، وإن ما يحصل من تحريض طائفي مدعوما بتحريضات أجنبية في العالم العربي ليس سوى مصيبة فكرية واجتماعية واقتصادية وثقافية تهدد كيان أي مجتمع وتجره إلى الويلات والثبور وعظائم الأمور.
لا يمكن السماح بنمو أفكار متطرفة تنادي بطرد أي مكون من مكونات الشعوب، ولا يمكن أن نسمح بأن ينادي البعض بالقضاء على البعض الآخر أو طرح شعارات بأن البلد هو ملك لفئة معينة تحت مسميات زائفة، مثل السكان الأصليين وغيرها، ويجب على مكونات المجتمع الأخرى أن تكون خاضعة ومطيعة لها وإلا فالطرد والتهجير سيكون مصيرها, إذ أن مثل هذه الأفكار قادرة على إثارة الحروب وإشغال البلاد والعباد في فتن ومهاترات لا طائل منها تستنزف كل موارد الشعوب المحدودة أصلا..
والأنكى من ذلك عندما تجد مثقفين أو من يسمون أنفسهم مفكرين وفلاسفة يتبنون هذا اللون من الخطاب العنصري ويوجدون له التبريرات التي غالبا ما تكون واهية وتستند إلى قصص تاريخية لا يعلم أحد صحتها من سقمها؛ ليعتبرونها أدلة دامغة تبرر مطالبتهم بإلغاء قشر كامل من المجتمع واعتبار أنه لم يكن له وجود على أرض الواقع.
إن العنصرية والشوفينية وسياسة الأنف المرفوع والتعالي على الآخرين لم تعد تجدي نفعا في القرن الواحد والعشرين، والتغني بأمجاد الأجداد لن يغير واقع الذل الذي يعيشه الأحفاد، فكفانا تهريجا وسخافات وجريا وراء صراعات تاريخية مضت وانقضت وأكل عليها الزمن وشرب، ولنتجه لما ينفع من بناء وتعمير وزراعة وصناعة وأدب وثقافة علنا نقلص الهوة السحيقة التي تفصلنا عن العالم وحضارته في جميع المجالات، حتى أصبحنا عالة على البشرية نأكل ما لا نزرع ونلبس ما لا ننسج ونستهلك ما لا نصنع..
يجب أن يفهم الجميع أن حق المواطنة مكفول لكل من يحمل جنسية أي بلد دون أي اعتبار للونه أو دينه أو عرقه أو طائفته، ولا يجب أن يكون الشخص ينتمي إلى أرض ما منذ زمان سيدنا آدم عليه السلام لكي تكون له حقوق المواطنة فيه، وأن الملاك الوحيد لتقييم أي شخص هو ولاؤه لوطنه أرضا وحكومة وقانونا، ومقدار خدمته بإخلاص لهذا الوطن على جميع الأصعدة،
علينا أن نضع أيدينا في أيدي بعض ولا نستمع إلا لخطاب العقل والمنطق في تعاملنا مع شركائنا في الوطن، وأن نسعى لما فيه الخير لكل الوطن وكل مواطن، وألا نستمع أبدا إلى التحريضات الأجنبية خصوصا عندما تدعي الدفاع عن أحد مكونات الشعب ضد مكوناته الأخرى، فالغريب لن يكون أحن على ابن الوطن من أخيه، والأجانب لا يسعون سوى إلى إثارة النزاعات؛ كي تشكل موطئ قدم لهم عبر محاولة حلها، ولعب دور الوسيط في نزاع هم أصلا من أشعله ويغذيه.
ولنذكر قوله تعالى (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ).