العدد 1829
الخميس 17 أكتوبر 2013
نصائح إدارية د. محسن الصفار
د. محسن الصفار
عالم مجنون
الخميس 17 أكتوبر 2013

يحكى أن شخصا استلم إدارة مؤسسة حكومية كبيرة وفي حفل توديع المدير القديم أخذه الأخير جانبا وسلمه مظروفين مغلقين وقال له اذا وصلت به الأمور الى وضع معقد فليفتح الظرف الأول واذا وصلت به الأمور الى طريق مسدود فليفتح الظرف الثاني.
ومرت الأيام حتى وصل المدير يوما الى وضع معقد للغاية لم يعرف اي سبيل للخروج منه فتذكر نصيحة المدير الذي قبله ففتح الظرف الاول فوجد فيه ورقة كتب عليها (اذا كنت في مأزق فما عليك سوى ان تلقي باللوم على المدير الذي سبقك) عمل صاحبنا بالنصيحة وألقى اللوم على سلفه وواصل عمله حتى وصل الى أزمة خانقة وطريق مسدودة فلجأ الى الظرف الثاني عسى ان يجد فيه الحل فوجد ورقة كتب عليها (إذا وصلت الى طريق مسدود وخربت كل شيء فجهز ظرفين وسلمهما لمن يأتي بعدك).
هذه القصة وإن كانت دعابة الا انها تعبر بشكل كبير عن الواقع المأساوي للإدارة العربية حيث المصائب لا تعد ولا تحصى فمن الواسطات في تعيين اشخاص غير اكفاء ولا يعلمون اي شيء عن المؤسسة التي استلموا ادارتها مرورا بالنظام الرقابي الفاشل الذي يفتح شهية بعض المدراء للفساد لدرجة تجعلهم يتصورون انهم يملكون تلك المؤسسة بالعاملين فيها وليسوا مدراء لها انتهاء بتهرب المدراء من مسؤولياتهم عبر القاء اللوم في كل فشلهم على من سبقهم مع انه كانت لديهم سنوات لكشف الخلل وإصلاحه.
في اليابان مثلا اي موظف يعمل في اية مؤسسة يجب ان يدخل دورة سنوية وكل 3 سنوات يقدم امتحان للترقية ويحصل الناجح بأفضل نتائج على ترقية وبعد 3 سنوات نفس الشيء حتى يصل الاكفأ الى المناصب الادارية وصولا الى اقصى حد وهو وكيل الوزارة اما الوزير فهو منصب سياسي يتغير بحسب الانتخابات ولكن الوزير لا يحق له أبدا تغيير أي من وكلاء الوزارة لأنهم جميعا وصلوا الى مناصبهم عبر التدرج الوظيفي وكونهم الاكفأ في مجال عملهم.
ولكن أين عالمنا العربي من هذا الأمر؟ فحالما يتغير الوزير تراه قد غير كل المدراء ورؤساء الاقسام في الوزارة وجاء بغيرهم وفي اغلب الأحيان من محل عمله السابق الذي لا يمت بأية صلة لمحل عمله الجديد ويبقى الموظف المجتهد الذي اكتسب سنين الخبرة محروما من اي منصب اداري لانه لا يملك واسطة وليس له سوى الدعاء ان يصبح احد اقاربه او زملاء دراسته وزيرا كي ينظر اليه بعين الرضا ويعينه مديرا لقسم ما.
ان الادارة تعتبر اليوم من اهم العلوم على الاطلاق وفي غياب ادارة ناجحة فإن اعظم علماء العالم والاخصائيين لو جمعتهم في مكان واحد لما حصلت على النتيجة المرجوة منهم اذا لم تكن هناك ادارة ناجحة وفعالة لذلك المكان، فمدير المستشفى لا يقل اهمية عن اي طبيب اخصائي فيها حتى لو لم يكن هو طبيبا وادارته الصحيحة هي التي تجعل جميع الاطباء يعطون افضل ما لديهم والعكس صحيح.
لقد آن الاوان في العالم العربي ان ننظر بجدية الى موضوع الادارة ووضع ضوابط شديدة لها تسمح فقط بوصول الاكفاء الى مناصبها الادارية ومنع الواسطات والمحسوبيات والاهواء الشخصية في اختيار المدراء والا فإننا مهما دربنا وأنفقنا على تعليم وتخريج مختلف الاختصاصات فلن نحصل على النتيجة المرجوة منهم في ظل غياب الادارة الصحيحة فالمدير كالمقود من السيارة اذا كان فيه خلل فلن يشفع للسيارة ان يكون محركها جبارا وهيكلها متينا وعجلاتها ممتازة وستنتهي مصدومة في اول جدار او عائق.
وحتى ذلك اليوم سيستمر تسليم المظاريف بين المدراء.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .