الموضوعية تقتضي القول إنّ البيان الذي أصدره ثلة من علماء المملكة العربية السعودية من منطقة القطيف والإحساء في العاشر من مارس الجاري كانَ بياناً وطنياً وشجاعاً بكل المقاييس. البيان يرفض رفضاً قاطعاً استخدام السلاح ويحذر “ابناءنا وشبابنا الاعزاء من الانجراف خلف توجهات العنف والتطرف فهو لا يحل مشكلة ولا يحقق مطلباً بل يزيد المشاكل تعقيداً ويحقق مآرب الاعداء الطامعين” و”استخدام السلاح والعنف مدان ومرفوض من قبل علماء المذهب وعموم المجتمع ولا يحظى بأي غطاء ديني أو سياسيّ”.
لم يعد الدور الذي ينهض به رجل الدين ثانويا أو هامشياً بل هو محوري في ارساء النهج الوسطي. وعلى النقيض تماما الفكر المتشدد المفضي الى خلق الكوارث والازمات ومن هنا فإنّ واجب العقلاء من كل التيارات تكريس النهج البعيد عن التطرف وخلق الجسور وانتشال الشباب من الوقوع في شرك التطرف.
إنّ حوادث العنف التي اضحت سمة لحياتنا المعاصرة ويذهب ضحيتها العشرات من الأرواح في حروب عبثية باتت تبعث على الحزن والالم لا للمقربين منهم وحدهم بل لدى أي انسان مهما كانت انتماءاته ومعتقداته. وسبق أن كتبت مقالاً قبل سنوات في “البلاد” أشرت من خلاله الى أزمة “الشيوخ”. وقلتُ حينها إنّ المأساة تكمن في انّ فئة من هؤلاء الشيوخ يعلنون فيما بعد اعتدالهم وتراجعهم بينما يبقى ضحاياهم في متاهة. ولا أزال حتى اليوم مقتنعاً بما قلت. والأدهى أنّه عندما يعتدل هذا الشيخ أو رجل الدين ويصبح وسطيا ويتراجع عن أفكاره يكون قد فات الأوان أو كما يقول المثل بعد “خراب البصرة”.
لسنا بحاجة إلى التأكيد على أمور هي في حقيقتها ثوابت غير قابلة للمساومة على الاطلاق من قبيل أنّ الجميع ينتمون الى وطن واحد وأن ليس بمقدور أحد منهم الزعم أنّه في غنىَ عن الآخر ممن يقاسمه هواء الوطن وترابه بل جميعهم لو احتكم الى المعايير الاخلاقية بتجرد وحياد لاكتشف أنّ دعوات الفرقة والشحن والاستقطاب لا تفضي الاّ الى نتيجة واحدة هي الدمار.
ويخطئ من يعتقد أن تجاوز العواصف المحدقة بأوطاننا هي مسألة متروكة للاقدار متى ما شاءت لكنّ المطلوب اليوم وقبل أي وقت مضى وعلى وجه السرعة من جميع الفئات والتيارات والمذاهب هو وقف الحملات الهمجية للنيل من الآخر وسلقه كما تفعل بعض الشعوب البدائية في القارة الافريقية. لانه لن يربح في النهاية الاّ اعداء الوطن ومن يتربصون به بل يخططون ليل نهار لتقويض دعائمه.
الذي يجب أن نعيه أنّ هناك من يدق أسافين الفرقة بين ابناء الوطن الواحد تحت دعاوى وعناوين براقة كإقامة الديمقراطية والحرية. والأمر لم يعد بحاجة الى عناء كبير لكشفها فهي ساطعة كالشمس في رابعة النهار. فلا الأميركان ولا البريطانيون ولا غيرهم قلوبهم علينا بل لكل دولة اجندات ومشاريع تشتغل عليها وهي على استعداد لتدمير الآخرين في سبيلها. ليس من المنطق ولا من المقبول أن يدمر بعضنا بعضاً بينما لصوص الاوطان لم يتركوا قطرة نفط الاّ استنزفوها. وما ينعمون به من خيرات انمّا هو بفضل الطاقة من ارضنا. وإزاء هذا الوضع لابدّ من ان تتغير المعادلة وان نعلنها صريحة لمن يمارس الابتزاز بحقنا. لا.. وكفى.