العدد 1982
الأربعاء 19 مارس 2014
قبل البكاء على اللبن المسكوب محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الأربعاء 19 مارس 2014

الانطباع الذي يرد الى الذهن للوهلة الأولى أنّ المثل الشهير “جحا أولى بلحم ثوره” خاص بالشخصية العربية الشهيرة جحا ولكن من يدقق النظر جيداً في الأوضاع الخليجية فإنّ المثل ينطبق عليها تماماً. إنّ الرسالة التي أراد المثل إيصالها هي أنّ صاحب المال أولى بماله من الغريب. وقصة المثل باختصار أنّ ثوراً لجحا أصيب وأجمع أهل البلد على ذبحه حتى لا يذهب لحمه خسارة وتناهشوا الثور ولكنهم اختصموا على اللحم من يأخذه ونظرا لما عُرف عن حجا من فطنة وذكاء فقد أمسك باللحم ورفض أن يعطيه لأحد وقال قولته المشهورة التي غدت مثلاً على مر الازمان “إنّ جحا أولى بجلد ثوره”.
ولا أدري الى متى تبقى الانظار المحدقة والطامعة بالبلدان الخليجية بوصفها بقرة حلوباً. لا تزال النظرة من قبل الغرب وبالتحديد أميركا وأوروبا أننا دول نستحم في بحيرات من النفط. والأكيد أنها نابعة من تصور متجذر لديهم بأننا نحن العرب غير جديرين بهذه النعمة أو لا نحسن التصرف فيها وبالتالي فالأولى أن نتقاسمها مع الآخرين وبالطبع هم أميركا ومن يدور في فلكها. أتذكر أنه ابّان الأزمة المالية العالمية قبل سنتين تقريباً اي عندما غرقت هذه الدول في المديونات الهائلة وأعلنت العديد من المؤسسات المالية والاقتصادية الغربية إفلاسها فإنّ انظار قادتها اتجهت الى الخليج لانقاذها من ورطتها غير عابئة بالتحديات الاقتصادية التي تمر بها والخطط الاستراتيجية. لم يكن خطر الازمة المالية مقتصرا على بلدان الغرب وحدها بل ألقت بظلالها القاتمة على أوضاع المواطن الخليجي كالارتفاع الجنوني في الاسعار علما أنّ القدرة الشرائية لم تكن تتناسب اطلاقاً مع ارتفاع الاسعار ناهيك عما احاق بالبعض منهم من خسائر فادحة.
لم تكن الأساليب التي كانت تلجأ اليها الولايات المتحدة الاميركية ودول اوروبا خافية على أحد، كانت تتمثل في حماية الخليج من الاخطار المحدقة به من المتآمرين عليه. وأنها حريصة على المحافظة على كيانات هذه الدول من التفتت والانقسام بينما الجميع يدرك هدفها الحقيقي غير المعلن وهو استنزاف اموال الخليج حتى آخر قطرة من نفطه. الحيل التي تلجأ اليها باتت مكشوفة ولم تعد تنطلي على أحد مهما كان مستوى وعيه ودرجة فطنته.
وفي ظل الظروف البالغة الصعوبة التي تعيشها الاغلبية الساحقة من مواطنيه ليس من المعقول أن يبقوا مكبلين بالديون وتحت طائلة الفقر في الوقت الذي تتسرب الأموال الى خزائن الدول الكبرى. وليس من المنطقي أن يبقى هذا الانسان الى الابد تحت وصاية الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها من الغرب والشرق. آن الأوان لأن تكون مقدراتنا تحت أيدينا لا أيدي الآخرين مهما أبدوا حماسهم في الدفاع عنّا.
إننا نعرف كما يعرف العالم أجمع أن لا مبادئ تحكم علاقات الولايات المتحدة مع الآخرين ونحن متأكدون من أنها تبدّل قناعاتها ومواقفها طبقا لمصالحها. وبالتالي لا أفهم سببا واحداً لتكريس اميركا صديقا دائما لنا رغم ما تعلنه من عدائية سافرة. انّ العربيّ البسيط يتساءل ومعه الحق في تساؤله الى متى تبقى اميركا ترسم مستقبلنا السياسي والاقتصادي ونحن لسنا اكثر من متفرجين. ودورنا ينحصر في الضحك احياناً والتصفيق ببلاهة أحياناً أخرى.
المصيبة أننا لم نحاول ولو مرة واحدة أن نمسك بزمام القوة ونتولى شؤون أمرنا وننتقل من مقاعد المتفرجين الى لعب دور البطولة. لكن لماذا نرهق عقولنا بالتفكير طالما أنّ الآخرين ينهضون بالمهمة على خير ما يرام؟.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية