جميلة تلك الجهود التي تنهض بها وزارة الثقافة للارتقاء بالشأن الثقافي في مملكة البحرين متمثلة في الموسم الثقافيّ السنوي المعروف بربيع الثقافة الذي يجيء في أواخر شهر مارس من كل عام. والذي نود أن نؤكده هنا هو أنّ ربيع الثقافة الثاني والثالث نسختان شبيهتان بربيع الثقافة الاول أي أنه لا يوجد تغيير جوهري في البرامج مما كان يطمح له الجمهور. بيد أنّ السؤال الذي يفرض نفسه هو التالي: هل الثقافة للنخب أم للجماهير؟ الذّي دعانا الى طرح السؤال هو أنّ القائمين على ربيع الثقافة يصرون على أنّ الربيع الثقافيّ يجيء كعادته ويخلع عن نفسه النخبوية ويكون قريباً جداً من كل الملامح والتوجهات العامة. اذ يعلن عن نفسه كموسم يحزم بداخله أحداثا تتوازى فيها فكرة واحدة هي الفرح في احتفالات جماعية وشعبية.
لكن ليسمح لنا الإخوة في وزارة الثقافة اذا قلنا إنّ جلّ الفعاليات والبرامج الثقافية مكرسة للنخب وليست للجمهور. وإذا استثنينا معرض الكتاب الدوليّ الذي تنظمه الوزارة - مشكورة - كل عامين فإنّ بقية الفعاليات هي نخبوية بامتياز ولا تلامس هموم الإنسان البسيط ولا تتعاطى مع قضاياه وهمومه.
بصراحة إنّ الأغلبية من الجماهير لا ترى نفسها معنية ببرامج الوزارة لسبب بسيط هو أنّها لا تخاطبهم ولا تعبّر عن قضاياهم وأشواقهم وهمومهم. الجمهور العريض يتطلع الى ثقافة قادرة على احداث حالة تغيير لنمط حياته وبحث ما يستهدفه. وأيضا لتطوير وتنمية حياته اجتماعياً وثقافياً. باختصار ثقافة قادرة على إحداث تغيير ايجابيّ ينعكس على نمط حياته.
كأنّ الناس يقولون انتظرنا من ربيع الثقافة أن يكون المعبّر عن هواجس الانسان وآماله وأحلامه وطموحاته وحاجاته لكنه خذلنا وخيب توقعاتنا وآمالنا. وكنا نتمنى لو أنّ ربيع الثقافة نزل عن برجه العاجيّ ولامس عذابات الإنسان لكن الواقع انّه بقي يخاطب النخب لا غيرها. وأخيراً انتظرنا من ربيع الثقافة أن ينشر أريجه في كل أرجاء الوطن لكنه فضلّ أن يبقى في العاصمة وحدها دون أن يمتد الى خارجها. ولسنا بحاجة للتأكيد على أنّ كل فرد بحاجة الى الثقافة في المدينة وخارجها.
لم يعد مستغرباً على الإطلاق انّ اغلب الشرائح ليست مستجيبة للأنشطة التي تقيمها وزارة الثقافة وليست على تواصل فعال وحقيقي فضلا عن عدم التفاعل معها لأمور لا نعتقد أنها غائبة عن اذهان المخططين للفعاليات من اهمها أنّ الفعاليات بعيدة عن وعي الجمهور. ونرجو ان لا يقدم أحدهم على نعت الجمهور بالكسل واللامبالاة لأنّ المسؤولية تقع على عاتق المخططين لأنّ الجمهور لا يمكن ان يصل الى التفاعل الاّ بالتعبير عن مصالحه.
جدل يحيط بالفعاليات التي تنظمها الوزارة كل عام لا نشك بأنّ المسؤولين في ربيع الثقافة على علم أكيد به وهو ذاك المتعلق بثمن التذاكر وبالتحديد للحفلات الموسيقية. كانت الشكوى تتردد كل عام حولها ولكن الذي اتضح أنّ المعنيين بالأمر ليسوا على استعداد لبحث المسألة من الأصل وإلاّ كانوا على اقلّ تقدير قد استمعوا للشكوى ومن ثم قاموا باللازم. غير أنّ المفارقة المثقلة بالسخرية أنّ بعض التذاكر تمنح لبعض الافراد مجانا ممن لا علاقة لهم بالفنّ. هذا ما اسرّ لي به أحد العاملين الأجانب في أحد المقاهي أكثر من مرة بينما يحرم منها الكثير من المثقفين المهتمين بالفنون عامة. إنّ الذي نطمح اليه هو أن يتدارك من تقع تحت مسؤوليته هذه القضية ويعمل على تصحيحها.