العدد 1978
السبت 15 مارس 2014
أولادكم ليسوا لكم محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
السبت 15 مارس 2014

“أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون الى العالم ولكنهم ليسوا منكم مع أنهم يعيشون معكم. أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم لكنكم لا تستطيعون غرس بذور أفكاركم فيهم لأنّ لهم افكاراً خاصة بهم وفي طاقتكم أن تصنعوا المساكن لأجسادكم ولكنّ نفوسهم لا تقطن في مساكنكم فهي تقطن في مسكن الغد الذي لا تستطيعون أن تزوروه حتى ولا في أحلامكم وآن لكم أن تجاهدوا لكي تصيروا مثلهم ولكنكم عبثا تحاولون أن تجعلوهم مثلكم. لأنّ الحياة لا ترجع الى الوراء ولا تلذّ لها الاقامة في منزل الامس أنتم الاقواس وأولادكم سهام حية رمت بها الحياة عن اقواسكم”.
المقطع السالف هو جزء من نص للأديب العربيّ جبران خليل جبران قاله قبل مئة عام. وأعتقد أنّه في ظل ما يتعرض له اطفالنا من تعذيب وحشي فإنّها تقرع آذانهم في كيفية التعاطي مع فلذات اكبادهم.
الذي استدعى الى الذاكرة هذه الكلمات هو بلاغ تقدم به والد أحد الأطفال البالغ من العمر أربع سنوات فقط اذ انه وجد نجله الصغير مصابا بالعديد من الاصابات المتفرقة بجسده عبارة عن كدمات بمختلف انحاء جسمه وتورم بالعين وعدم قدرته على فتح عينيه. أما الصدمة التي لم تخطر على البال أنّ من اقدم على هذا الفعل هي والدته بواسطة حزام جلدي. وعندما واجهت الشرطة النسائية والدة الطفل بالبلاغ اعترفت بتعديها على جسم الطفل قائلة: “كان قصدي من ضربه تهذيبه. إنه ولدي وأنا حرة فيه”.
وقصة هذا الطفل ليست الاولى اذ سبقها تعرض تلميذ بأحد المدارس الابتدائية الى ضرب مبّرح من قبل احد المعلمين الوافدين وتم نقله الى المستشفى وهو في حالة اعياء ونفسية محطمة ولا يزال التحقيق جاريا حول القضية من قبل وزارة التربية. أما أغرب حوادث الأطفال وقد يكون الأول من نوعه في مدارس البحرين عندما دخلت ولية أمر طالب لإحدى مدارس البنين الابتدائية لتضرب طالبا قام بضرب ابنها ضربا مبرحا أكثر من مرة. مبررة تصرفها هذا بأنّها اشتكت للمشرف الاجتماعي اكثر من مرة الاّ انّ الأخير لم يتخذ إجراءً بشأنه ولم يعاقبه أو يوقفه عند حده لذا قررت أن تؤدبه بأن تضربه بنفسها ليكف عن ضرب ابنها. وما يدعو الى الاستغراب والدهشة أنّها نفذت مهمتها داخل اسوار المدرسة دون أن يلحظها أحد. وكأنّ مدارسنا تحولت الى اشبه بحارة “كل من ايدو الو”.
ولا نملك إلاّ نتوجه لوزارة التربية والتعليم بنداء حار لاستقصاء الحادثة وغيرها من حوادث مشابهة والوقوف على ملابساتها وإبعادها بهدف تفاديها مستقبلاً. خطورة المعضلة الاولى تتمثل فيما اقدمت عليه الأم تجاه ابنها في غياب المفهوم السليم للتربية الأمر الذّي دفعها الى اختيار العنف الجسدي تاركة آثاراً على جسمه دون أن يرف لها جفن. فيما تكمن خطورة المشكلة الثانية في خلل كبير وهو أنّ الطلبة ليسوا في أمان من الخطر بعكس ما استقر في أذهانهم.
وكشفت الحادثتان عن خلل عميق ازاء الطفل الذي نعدّه للمستقبل. والخلل يبدو أعمق في القوانين المتبعة لدى وزارة التربية، والتساهل ازاء مثل هذه القضايا لم يعد معقولا ولا مقبولاً نظرا لما قد يفضي اليه من عواقب بالغة الضرر.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .