العدد 1976
الخميس 13 مارس 2014
أوقفوا هذا الانحدار محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الخميس 13 مارس 2014

ما الذي جرى للناس في هذا العصر؟ يمكننا وصف المشهد بأنه انفلات وعبث بالقيم واختلال واسع النطاق بمنظمومة القيم الأخلاقية. إنّ المشهد أكثر رعبا فيما لو حاولنا استكشافه تجاه أجيالنا الشابة تحديداً التي يبدو أنها انتهجت لها قيماٍ نقيضة للسائد. فيما مضى من السنوات كان ما يحكم العلاقة بين الاجيال هو احترام الآخر وهي قيمة بالغة الأهمية للآخرين. أما الآن وفي مثل هذه الايام تحديداً فإنّ ما يربط العلاقة بين الأجيال قد تلاشى تماما فلم يتبق من القيم ما يمكن الركون اليه أو الاعتداد به. حالة انسلاخ بين شباب اليوم وبين ما يمت للماضين بصلة وكأنّ هناك من يدأب ليلاً ونهاراً لتفريغ عقولهم من كل غال ونفيس.
إنّ اشد صور القطيعة بين هذا الجيل وما نشأ عليه أسلافهم من قيم تتمثل كما تبدو لي في وهم كبير يستوطن مخيلتهم يسمونه الحرية وباسمها يقترفون أبشع الممارسات. والاّ هل الحرية المزعومة تعني الخروج على الآداب الموروثة منذ عشرات بل مئات السنين؟ وهل الحرية تسوغ لهؤلاء التمرد على القوانين والانظمة المتعارف عليها؟ بل السؤال الأهم هل من اصول الحرية التنكر للقيم الإنسانية الجميلة بدعوى أنّ الزمن تجاوزها وأنها تنتمي الى حقب فات أوانها.
أعتقد أنّ الجميع مع الحرية وبدون أي تردد لكنّ الذّي هو موضع الخلاف هو انّ للحرية ضوابط اخلاقية وبدونها تتحول الى فوضى أو حرية منفلتة. انّ الكثير من الآباء يقعون في اخطاء لا تغتفر بمنح ابنائهم الحرية ليمارسوا ما يشاءون وبلا أية رقابة من أي شكل ونوع. لكنّ هؤلاء الآباء لا يدركون حجم الخطأ الاّ بعد فوات الأوان.
يفهم البعض الحرية بالتعدي على حقوق الآخرين. والمثال الأبسط هنا من يتجاوز قوانين الطريق ويعبث بحياة الآخرين بأن يقود سيارته دون ان يضع في اعتباره حياتهم معرضا اياهم الى موت محقق. واستطاعت الدول المتقدمة أن تهذب غرائز هؤلاء بفرض اقصى العقوبات وتمنع تجاوزاتهم رغم تقديسها للحرية الفردية. بينما يعتقد نفرٌ في عالمنا العربيّ انّ الآخرين اشبه بالاملاك الخاصة.
أمر آخر، أعتقد انّ الجميع متفق عليه، هو حجم الحزن الذي يطفح على وجوه نسبة لا يستهان بها من الافراد. أين يكمن السبب؟ هل هو في حجم الفقر؟ أم انه أحد امراض موجة التغريب والحداثة التي تفككت بسببه العلاقات المجتمعية والاسرية الى الحد الذي تقطعت فيه الوشائج بين الناس؟ أم تكمن في غريزة الطمع الى حد أنّك لا تجد أحداً قانعا بما كتبه الله له؟ فتراه لاهثا طوال الوقت حتى باتت قيمة التمّهل معدومة تماماً من اذهان هؤلاء.
ورُغم أنّ الجميع يحفظ العبارة المأثورة ويرددها آناء الليل وأطراف النهار ومؤداها “قد أختلف معك في الرأي لكنني مستعد للتضحية بروحي دفاعا عن حرية رأيك” الاّ انّ المشاهد على صعيد الواقع هو نقيضها تماماً اذ انّ السائد هو انّ لغة التفاهم بين اطراف النزاع الفكري أو السياسي انحدرت الى الهاوية وأضحى من النادر أن يحتكم المتنازعون الى لغة الاحترام ومقارعة الفكر بالفكر والاستماع الى الرأي الآخر فضلا عن احترامه.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية