من الأساطير الموروثة عن تراث الهنود الحمر قصة تتحدث عن شيخ هندي كبير كان جالسا مع حفيده فقال له: هناك صراع رهيب في داخلي بين ذئبين أحدهما شرير هو ذئب الغضب والحسد والغيرة والجشع والغرور والدناءة والكذب والتعالي والشعور بالمرارة والذئب الآخر ذئبٌ طيب هو ذئب السعادة والسلام والحب والاطمئنان وراحة البال وهدوء النفس والأمل والتواضع والعطف والكرم والصدق والايمان والاحسان. وهذا الصراع الدائر المستمر بين هاذين الذئبين يدور في داخلك أنت أيضا يا بنيّ وفي داخل كل انسان آخر. صمت الحفيد لبعض الوقت وهو يفكر فيما قاله جده ثم قال: وأي الذئبين هو الذي سينتصر يا جدي؟ قال الجد: سينتصر الذئب الذي تطعمه أكثر.
نستحضر الأسطورة السالفة الذكر للتدليل على أنّ البعض من البشر يحملون في داخلهم الفلسفة الذئبية بكل شراستها ووحشيتها بل يطلقون الذئب الذي بداخلهم دونما تردد وبالتالي فلا حاجز يقف أمامهم ويردعهم. الشواهد أكثر من ان تحصر ويمكن الاشارة الى بعضها، فالخصومة كمثال أمر طبيعي بين البشر فقد تطول بين بعضهم الى ايام وربما تمتد الى سنوات حتى تعود المياه الى مجاريها وتزول اسبابها. والخصومة معقولة اذا بقيت ضمن الاطار المتعارف عليه اي اذا لم يؤذ احدهما الآخر ولم يتطاول عليه لكن خطورتها عندما تتحول الى فجور في الخصومة ونعت الخصم بأبشع الصفات. و”فَجَرَ” أي مال عن الحق. وجاءت الاشارة اليها في الحديث النبوي الشريف “أربعٌ من كنّ فيه كان منافقاً وإن كانت خصلة منهنّ فيه كانت فيه خصلة من النفاق حتىّ يدعها: منْ اذا حدّث كذب واذا وعد اخلف واذا خاصم فجر واذا عاهد غدر”. والأدهى في الأمر ما يسوقه البعض من عبارات الازدراء والتسفيه التي تثنيه عن المضيّ في الخصومة. ويرجح أنّ منشأ هذا الفجور هو العصبيّة القبلية أو الحزبية أو المذهبية حتى يبغض أهل هذا المذهب أهل المذهب الآخر.
العصبية المقيتة آفة ابتليت بها مجتمعاتنا الاسلاميّة. ونستذكر هنا ما روي عن رسولنا الأكرم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله من القصة الشهيرة بين الصحابيّ الجليل أبي ذر الغفاري مع بلال الحبشيّ. وملخصها كما رواها البخاري أنّ أبا ذر وبلال تغاضبا وتسابا وفي ثورة الغضب قال أبوذر لبلال: يا ابن السوداء. فشكاه بلال الى النبيّ (ص) فقال النبي (ص) لأبي ذر: أعيّرته بأمه؟ انّك امرؤ فيك جاهلية. أي فيك خصلة من خصال الجاهلية ولم يطلق عليه أنه جاهليّ.
من يطلق العنان للذئب الشرير المختبئ في صدره فإنه لا يتردد في الوقوع في الأخطاء المدمرة بل يسمح لنفسه بارتكاب ما تشاء من ممارسات وانفعالات لا حدّ لها يتجسد هذا في تجاوز الحدود والقانون. كما يتجسد بأجلى صوره في الشوارع بتجاوز الحد المسموح للسرعة معرضا نفسه والآخرين لمصائر محزنة وحين يستنكر عليه البعض بالنظرات فقط يأتي رد الفعل عنيفاً ومهينا وكأنّ من نبهه هو من الذي ارتكب الخطأ. ونرصد الحالة ايضاً في طوابير الانتظار فلم يعد مستغرباً اطلاقاً ما يحدث من حالات عنف وغضب قد تتحول الى ملاسنات لفظية وقد يتطور الأمر الى سب وشتم وربما يحدث ما لا يحمد عقباه باستخدام الآلات الحادة المفضية أحياناً الى الموت وحينها لا ينفع الندم.