العدد 1929
السبت 25 يناير 2014
أيّها المسؤول ارفع مستواك الثقافيّ محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
السبت 25 يناير 2014

قضيّة تفجرت في أحد البرلمانات العربية قبل اسابيع وملخصها أنّ أحد النواب طالب بمنع أمسية شعرية مخصصة للنساء للشاعر الصوفي جلال الدين الرومي متذرعاً بانّ الشاعر “ يعلّم النساء الرقص وقلّة الحياء”. مذيعة القناة لم تتمالك نفسها من الضحك وهي تبث الخبر أمّا الاسباب التي دعتها الى هذا فتكمن في أنّ الشاعر جلال الدّين الروميّ مُتوفى منذ سبعة قرون ونصف.
السؤال الذّي يتبادر لاذهاننا هو التالي: أما كان الاجدر من النائب التعرّف عن سيرة الرجل بدلاً من التسرّع والمطالبة بمنعه من دخول البلاد. اضافة الى ما سببته له من احراج ليس بين زملائه من اعضاء المجلس النيابيّ فحسب لكن في مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت الى مادة للتندر والسخرية. الحادثة اشعلت ساحة النقاش على التويتر حيث شنّ عليه العديد من النشطاء هجوماً عنيفا متهمين اياه بعدم معرفته بشخصيات كان لها اثر كبير في التاريخ الاسلاميّ.
كان يمكن أن تمر الحادثة السالفة مرور الكرام لو أنّ الرجل لم يكن في موقع المسؤولية. اذ يفترض ممن يتقلد موقعاً سياسياً أن يتحلّى بقدر من الثقافة العامة التي تمكنه من التعامل مع قضايا عصره. فغير معقول أن تبقى مستويات ثقافة المسؤول هي ذاتها عندما غادر مقاعد الدراسة أو محصورة فيما تلقاه من معلومات في المقررات الجامعية . ثقافة هذا المسؤول الضحلة تجعله في مواقف محرجة ناهيك عن وقوعه صيداً ثمينا لمناوئيه ومن يتربصون به .
من يرصد لقاءات وحوارات وكلمات بعض من أنيطت بهم مناصب حساسة في كافة البلدان العربيّة فانه يجد أنّ معظمها تتسم بالضحالة الثقافية فضلاً عن وقوع اغلبيتهم في الاخطاء اللغوية الفاضحة . لعل البعض من هؤلاء يعتقد أنّ الوظيفة المرموقة تغفر له مثل هذه الاخطاء .
وكان أحد الزعماء العرب المخلوعين قد قال ذات مرة أنه تأتيه رسائل رسمية من رؤوساء  دول مغلوطة من ناحية الاعراب والنحو. وأعرب عن دهشته عن ذيوع الاخطاء النحوية في معظم وسائل الاعلام العربية . المفارقة أنّ هذا الزعيم كان موضع سخرية لوقوعه في الاخطاء اللغوية القاتلة ومقاطع الفيديو خير دليل على هذا.
ولطالما كانت شخصية بعض المسؤولين جاذبة بمظهرها الخارجيّ لكن بمجرد قراءتهم للخطابات فانّ الصورة تأخذ منحىً مغايراً تماماٍ .وكم بدا منظر بعضهم مثيرا للسخرية والشفقة في آن واحد فكيف يستقيم لرجل يتبوأ موقع المسؤولية وتناط به مهام خطيرة وكان محلا للثقة أن لا يتمكن من قراءة جملة عربيّة واحدة قراءة صحيحة بصرف النظر عن تدني منسوب ثقافته الى الحضيض ؟
كان رئيس الوزراء البريطانيّ تشرشل يقول انّ الديمقراطية هي أسوأ نظام للحكم لانّها ليست دائما تأتي بالافضل بل أحيانا ولاسباب مختلفة تأتي بالاسوأ وأضاف تشرشل ولكن علينا بالديمقراطية مهما كان مرّها وعذابها فلا يوجد في العالم نظام أفضل وحتى يظهر هذا النظام الافضل فليس لنا خيار في استخدام الاسوأ “.
لا نختلف مع تشرشل بأن ليس هناك  خيار آخر غير الديمقراطية لكننا نتمنى لو أنّ ثمة معايير اكثر صرامة لمن يرغبون في الترشح للبرلمان اذ من غير المعقول ولا المقبول أن يوضع اشتراط اجادة القراءة والكتابة فقط هو المعيار لمن يوّد الاقدام على هذه المهمة البالغة  الخطورة.
الجميع على قناعة بأهمية الثقافة بالنسبة للفرد ولكنها تشكل للمسؤول أهمية أكبر . وأعني بالثقافة هنا هي الثقافة المهنية اضافة للثقافة العامة .

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .