كان ذلك قبل أشهر قليلة فائتة عندما استمعت كغيري من المشاهدين الذّين ناهزت أعدادهم مليونا ونصف المليون، الى صوت الفتاة التي لم تتمالك نفسها من البكاء. وكان ذلك أثناء اتصالها بأحد البرامج التلفزيونية الذي بثته قناة اليوم الفضائية الدينية خلال برنامج “أحلام وأوهام” وكان مقدم البرنامج هو الشيخ طارق العلي. بكاء الفتاة كان حاداً مما جعل الشيخ يتعاطف معها ويطلب الله أن يعينها على المصاب الأليم. بيد انّ الشيخ سأل الفتاة ما الذّي ضاع منك؟ وكانت المفاجأة عندما اخبرته بحرقة انها تبكي على ضياع هرها!. السبب دفع الشيخ الى الضحك بدلاً من التعاطف معها، الذهول جعله يعيد السؤال عدة مرات “ما الذّي ضاع” ليتأكد من إجابتها فأعادت نفس الجواب! الشيخ حاول تهدئة الفتاة بتذكيرها بأمور الصلاة بدلاً من البكاء على هر، قائلاً “الناس تبكي على الصلوات وأنت تبكين على قط! لا حول ولا قوة الاّ بالله العظيم”.
القصة السالفة أخذت أصداءً واسعة في طول البلدان العربية وعرضها مستنكرة ما وصل اليه شباب الامّة من تردٍ وانحطاط. اعتقد أنّ شباب اليوم – ولنكن أكثر دقة، نسبة ليست هينة منهم – لا يعرفون ماذا يريدون بالتحديد. وحالة الفتاة ليست الاّ نموذجاً من بين آلاف النماذج المشابهة لشباب عرب غرقوا في حياة اللهو والترف وتاهت منهم البوصلة فأضحوا ضائعيّ الهوية.
هل نظلم الشباب العربيّ اذا نحنُ وصفناه بالعابث اللاهي وأصبح رهين موجات التغريب باستهدافه في عقله وسلوكه؟ وتتجلّى في بحثه عن آخر صيحات الموضة في اللباس والهواتف وقصات الشعر ولم يعد أحد منهم تشغله الهموم الثقافية والاجتماعية.
ورغم ايماننا بطاقات الشباب العربي الذي أحدث تغييرات جذرية في اكثر من قطر عربيّ لكنّ هؤلاء في غمرة انشغالاتهم بالتغيير كانت تغيب عن اذهانهم - لبالغ الأسف – أنماط التفكير الايجابي السليم ونسوا عنصرا بالغ الاهمية متمثلا في لغة التواصل مع من هم اكثر خبرة وتجربة ونعني جيل الآباء والرواد. لذا فإننا نتمنى من هذه الشريحة مد جسور التواصل مع الناس وعدم التعالي على الآباء والمعلمين.
لسنا ننكر أنّ الآلاف من الشباب العربيّ يتعرضون الى الاحباط ويفترسهم اليأس لغياب فرص العمل امامهم وهم في حاجة ماسة الى من ينتشلهم ويرمم ما أصابهم من انكسارات نظرا لتضاؤل فرص العمل. وتأتي الثورة الالكترونية لتقلص عدد الوظائف ويقابلها على الطرف الآخر تخرج ملايين الشباب الجامعيّ.
الاحصاءات تشير الى أنّ عدد الشباب العربيّ بلغ ستين مليوناً أو أكثر وأعمارهم تتراوح بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين والمثير للدهشة أنّ هذه الثروة البشرية لا تجد من يستثمرها في التنمية الاقتصادية. والمحزن أنّه في الوقت الذي توفر أغلب دول العالم كل الاحتياجات لتحقيق ذواتهم وإنشاء اجيال قادرة على الانتاج والابداع فإنّ الواقع العربيّ على النقيض تماماً اذ انّ الدول العربيّة اهدرت هذه الثروة بعدم التخطيط لمستقبلها.
إنّ حالة الإحباط للآلاف من الشباب العربيّ تؤكد أنهم لا يعرفون اين يضعون اقدامهم اضافة الى ما يشعر به الكثيرون من انهم يعيشون في عالم لا يكترث بهم ولا بطموحاتهم وأحلامهم وبالأخص من أصحاب القرار بعدم إتاحة الفرص امامهم للصعود وتطوير انفسهم.