العدد 1863
الأربعاء 20 نوفمبر 2013
أخلاقك أم أخلاقهم محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الأربعاء 20 نوفمبر 2013


تقول القصّة إنّ عجوزاً يتمّيز بالحكمة جلس على ضفة نهر وفجأةً لمح قطاً وقع في الماء وأخذ القط يتخبط محاولاً أن ينقذ نفسه من الغرق دون جدوى.. ولم يكن أمام الرجل من خيار سوى انقاذ القط ومدّ له يده لإنقاذه فـ “شمخه” القط وسحب الرجلُ يده صارخاً من شدّة الالم. ولكن لم تمض سوى دقيقة واحدة حتى مدّ يده ثانيةً لينقذه مرةً أخرى فأعاد القط ما فعله في المرة الاولى بخربشة يد الرجل وسحب الرجل يده صارخاً من شدّة الالم.. وبعد دقيقة راح الرجل يحاول انقاذ القط للمرة الثالثة.
على مقربة من هذا الرجل كان يجلس رجلٌ آخر وكان يراقب ما يحدث فلم يتمالك نفسه الاّ أن يصرخ في وجه الرجل قائلاً: أيّها الحكيم لم تتعظ في المرة الاولى ولا المرة الثانية وها أنت تحاول انقاذ القط في المرة الثالثة! لكنّ الرجل الحكيم لم يأبه لتوبيخ الرجل وظل يحاول حتى نجح في انقاذ القط. ثمّ مشى باتجاه ذلك الرجل وربت على كتفه قائلاً: يا بنيّ.. من طبع القط أن يخمش ومن طبعي أن أحبّ وأعطف فلماذا تريدني أن أسمح لطبعه أن يغلب على طبعي. ونحنُ كثيرا ما تواجهنا مواقف وتصرفات مؤلمة تجرحنا في بعض الاحيان وثمة أصوات تعتلي من هنا او هناك تدعونا الى أن نردّ عليهم بنفس المستوى وأن نعامل الآخرين بأطباعهم لا بتصرفاتنا الحسنة والسؤال هل نستجيب لها ونتخلى عن اخلاقنا لمجرد أنّ الطرف الآخر لا يستحق تصرفاتنا النبيلة؟.
السؤال الذي علينا الاجابة عليه هو من منّا لم ينله الاذى ممن حوله؟ لكن هل تردّ الاساءة بالاساءة وهل تعامل الناس كما يعاملوك أي بطبعك أم بأطباعهم؟ التربية الايمانية تقتضي منّا أن لا نرد الاساءة بالاساءة لاننا لو فعلنا هذا لتخلقنا بأخلاقهم وأصبحنا على شاكلتهم. ولنتذكر دوماً أنّ رضا الناس غاية لا تدرك لا سيما أنّ هناك من يناصبك العداء دون سبب.
قد يتبادر الى ذهن البعض أن المراد من الحديث هو الدعوة الى المجتمع المثالي وهذا من المستحيل أن يتحقق لانّ عالم المثاليات هو صعب التحقق في الواقع. وجميعنا تقريباً صادف نماذج متعددة من البشر في حياته وهؤلاء ليسوا على طبيعة واحدة من الاخلاق والسلوك كما قال أحدهم ذات مرة “اذا كنت شخصا خفيف الدم وكثير المزاح هل يعني أن تمزح مع أي شخص تلتقيه؟ وهل اي انسان يقبل مزاحك؟ وهناك البعض ممن يرفض النصيحة ويقابلها بالعناد والاصرار وقد يعاتبك بحدة وغلاظة: لماذا تنصحني؟.
ويقول تعالى في كتابه الكريم “ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذّي بينك وبينه عداوة كأنّه وليٌ حميم. وما يلّقاها الاّ الذّين صبروا وما يلّقاها الاّ ذو حظٍ عظيم”. (سورة فصلّت، 34 - 35) والذي ترشدنا اليه الآيات أنّ من أساء اليك فادفعه عنك بالاحسان اليه. ولو أنّك احسنت الى من اساء اليك فإنّ هذه الحسنة لا شك تقوده الى مصافاتك ومحبتك والحنو عليك حتى يصير كأقرب المقربين اليك وسيرة المصطفى مليئة بالمواقف الخالدة التي كان يقابل فيها الاساءة بالحسنة والاساءة بالعفو فلا أقلّ من أن نتخذ منها المنهج والقدوة في حياتنا.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية