بعد الإعلان عن إصدار التقرير السنوي لديوان الرقابة المالية والإدارية في نسخته التاسعة لسنة 2012-2013م فإنّ السؤال: ماذا بعد؟ وكما كشفت التقارير السنوية السابقة طوال الأعوام السالفة عن تجاوزات مالية وإدارية خطيرة في العديد من الوزارات والمؤسسات الحكومية من خلال المهمات الرقابية التي شملت ما يزيد على 53 وزارة وهيئة وجهة حكومية.
كان حجم الخلل في الكثير من تلك المؤسسات كبيراً، ويمكن التذكير بما ورد في التقرير الفائت في إحدى أعرق الشركات وهي بابكو على سبيل المثال، إذ رصد التقرير عدم وجود فصل بين حسابات الشركة وذمتها المالية مع الحكومة مما ترتب عليه عدم الوقوف على مركزها المالي الحقيقي، وما إذا كانت تحقق أرباحا أم خسائر إضافة إلى تأخرها في تحصيل مستحقاتها من هيئة الكهرباء مقابل شراء الغاز الطبيعيّ التي بلغت 71 مليون دينار، وتراكم مبيعات الوقود لطيران الخليج التي وصلت إلى 179 مليون دولار. وما كان هذا ليحدث لولا تجاوز الصلاحيات ومنح الرئيس التنفيذي صلاحيات دون سقف محدد. والمثال الآخر الممكن الإشارة إليه هنا هو شركة ألبا، إذ كشف التقرير لسنة 2013م عن ضعف أنظمة الراقبة المالية في هذه الشركة والبيع بأسعار أقلّ مخالفة فترات التسعير، وبالتالي تكبّد الشركة خسائر مالية جراء ضعف سياسة التسويق، أمّا حجم الخسائر فقدرت بثلاثة ملايين دولار.
إنّ التجاوزات الخطيرة ليست مقتصرة على المؤسسات والشركات والهيئات الحكومية وحدها بل شملت بعض الوزارات كوزارة البلديات. حيث رصد التقرير أنّ هذه الوزارة نفذت مشروعات دون دراسات جدوى أو اعتمادات مالية إضافة إلى حصول بعض المحافظين على علاوة سيارة بجانب توفير سيارات خاصة بهم! والذي يبعث على الدهشة هو أنّ وزارة البلديات لم تصدر الحسابات الختامية المدققة منذ عام 2007م وتأخر جهات أخرى بموافاة المالية بحساباتها الختامية.
إنّ جزءاً من الرسالة التي أنشئ من أجلها ديوان الرقابة المالية والإدارية هو الرقابة على الأموال العامة والتحقق من سلامة ومشروعية استخدام هذه الأموال وحسن إدارتها حسب خطته للرقابة. والتحقق من تنفيذ القوانين والقرارات الإدارية على الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة إضافة إلى القيام بأعمال رقابة الأداء ورقابة الالتزام.
وما كان يأمله ديوان الرقابة المالية أن يتدارك المسؤولون في الوزارات والهيئات الحكومية التجاوزات والمواضيع الواردة في تقريره السنوي واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لمعالجتها.. إلاّ أنّ المتابع لما يرصده ديوان الرقابة المالية والإدارية سنويا هو أنّ الكثير مما أشار إليه الديوان يكاد يتكرر بصفة مستمرة مما يشير إلى خلل فادح في هذه الوزارات من جهة ومن جهة ثانية فإنه يؤكد أنّ هذه الجهات تتجاهل ما ورد في التقارير السنوية.
كما يجدر بالذكر هنا حجم الخلل المستشري في إدارة الأوقاف الجعفرية وما كشفه التقرير على مدى سنوات من حقائق كانت في طي الكتمان. بيد أننا نستغرب أن يبقى الخلل والتجاوزات عاما بعد الآخر في الإدارة المذكورة دون أي تغيير. كان الاعتقاد لدى الغالبية أنّ ما يشاع من تجاوزات ليس أكثر من إشاعات يطلقها البعض، لكن ما كشفه ديوان الرقابة المالية من حقائق موثقة بالأرقام وبعد التدقيق شكلّ صدمة لأصحاب الوقف. كان المفترض من الإدارات المتعاقبة على الأوقاف أن تبادر باستئصال المتسببين في الخلل، لكن المؤسف انّ شيئاً من هذا القبيل لم يحدث، وهو أمرٌ يدعو إلى الدهشة. وإلاّ هل من المعقول أن لا تكون هناك خطة إستراتيجية في الإدارة، وأن يبقى العجز تتوارثه الإدارات واحدة بعد الأخرى، حتى بلغ ما يقارب المليوني دينار؟
إنّ اشكال الخلل في الأوقاف وحدها يصعب إيجازه هنا وبالإمكان العودة إلى تقارير الرقابة المالية على مدى سنوات؛ للوقوف على حجم الخلل الذي ينخر هذه الإدارة.