كنا نتصور أنّ إقرار قانون الطفل البحريني سيطوي معاناة الآلاف من الأطفال وسيحميهم من المخاطر التي تعيق طريقهم نحو حياة كريمة من النواحي الجسمية والعقلية والنفسية والأخرى المتعلقة بالاستغلال والاهمال والعنف. الاّ انّ الواقع يذهب باتجاه انّ هذه الفئة لم تزل تئن من وطأة العديد من الانتهاكات الصارخة والمدمرة لحياتهم. اننا نتساءل من هو المسؤول ازاء ما يتعرض له الأطفال هل هو التباطؤ في تطبيق القانون؟ أم انّه يعود الى الاعراف الاجتماعية التي تتغاضى عن مثل هذه الممارسات؟.
تشير الاستراتيجية الوطنية للطفولة الى انّ ما يعيق تنفيذ العقوبات بحق مرتكبي العديد من الاساءات ضد الاطفال هو انّ الضالعين في الجريمة يعمدون الى اخفاء افعالهم ناهيك عن الخجل ووصمة العار المرتبطة بالانتهاكات التي تعزز الابلاغ دون المستوى المطلوب في جميع المجتمعات. ويمكن اضافة الى ما سبق انّ الاطفال انفسهم يخشون الابلاغ عن حالات العنف والاساءة والاستغلال المرتكبة ضدهم. وكل هذه العوامل مجتمعة وغيرها تتضافر في ضياع حق الطفل في القصاص من منتهكي براءته وحقه في حياة آمنة.
من يُقدّر له الاطلاع على تقرير التنمية البشرية في مملكة البحرين فلا شك ستفزعه ظاهرة مؤرقة تلك المتعلقة بعمل الاطفال اذ قدّر عددهم بثلاثة آلاف طفل ويتركز عملهم في بيع الحلويات وبعضهم “حمالين” في السوق المركزية. وثمة علاقة لا تخطؤها العين بين حجم الاسرة وعمل الاطفال. فالاسر كبيرة العدد يلجأ اطفالها الى العمل نظرا لحاجة اسرهم الملحة الى الانفاق. وهذا يترتب عليه من الجانب الآخر اهمال وتسرب من المدرسة وقد يضطر بعضهم الى ترك مقاعد الدراسة بصورة نهائية. والخاسر الاكبر هنا ليست اسرهم وحدها كما يبدو بل هو الوطن لما يمثله كل فرد من ثروة تفوق بما لا يقاس كل الثروات الماديّة الاخرى.
لابدّ من الاشارة الى انّ غياب الاطفال عن البيئة المدرسية تنجم عنه عواقب متعددة ليس أقلها ما بات يطلق عليه اليوم ظاهرة اطفال الشوارع الذين يترصدهم اصحاب الضمائر الفاسدة واستغلالهم في اعمال لا تتناسب مع سنهم وطاقتهم. وصور الانحراف عدة كالتسول والدعارة والسرقات بأنواعها وقد يستغلون في اعمال اجرامية. ومن ثم فإنّ المجتمع برمته هو من يدفع الثمن باهضا وباهضا جداً.
هناك فئة من هؤلاء الاطفال لا ينالون الاهتمام المطلوب ولا الرعاية الكافية من اسرهم نظرا لظروف اسرهم المادية وبعضهم للأسف يتعرضون الى انواع من العقاب الجسدي والنفسي فيتم تحويل بعضهم الى مركز البحرين لرعاية الطفل الذي تاسس عام 2007م. والارقام المعلن عنها للاطفال المودعين تفوق المئتي حالة الاغلبية ذكور. ولدينا قناعة بأنّ آخرين يعانون ذات المشكلة هم خارج المركز لظروف عدة. اما قضايا هؤلاء الاحداث فإنها تتركز في السرقة والمسائل الاخلاقية والاعتداءات والمشاجرات والهروب من المنزل وأخرى تتعلق بالتحرش الجنسيّ ونسبة قليلة من المتعاطين للمسكرات والمخدرات.
ونتذكر انّ وزارة التنمية الاجتماعية قد دشنت قبل عام تقريباً خطا هاتفيا لانقاذ الاطفال الذين يتعرضون للمخاطر المتعددة وهي خطوة حضارية وجديرة بالتقدير. وليست غائبة عن الاذهان ما تنطوي عليه الفلسفة الكامنة وراءها وهي المحافظة على حقوق الطفل وتجنيبه ما امكن الاهمال أو الاستغلال بكل اشكاله. كما تضمنت خطوة الوزارة اعادة تأهيل الطفل للاندماج في المجتمع مرة اخرى تجسيدا لمبدأ حق الطفل في البقاء والبناء.