لا تزال الولايات المتحدة الأميركية تتصرف مع العرب وغيرهم من الشعوب المستضعفة بمنطق الكاوبوي كما لو كانوا من ضمن أملاكها الخاصة تسوقهم كيفما تشاء. أي انّ سلوكها السياسيّ لم يتغير منذ أن اصبحت القوة الاعظم والأوحد بعد انهيار جمهوريات ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي سابقاً. ولعل الفيلم الاميركي “فارس الظلام” هو التجسيد الابرز لمنهج العم سام في التعاطي مع القضايا الدولية.
أحداث الفيلم تدور حول البطل الاسطوري باتمان الذي يحارب الاشرار وهو قادم من عالم الظلام ويتخفى اثناء النهار ولا يظهر الاّ في الليل لكنه يتحول الى رجل كريم في الصباح. المفارقة أنّ البطل الذي يخرج من الظلام هو ذاته من يحارب قوى الشر والظلام! والذين شاهدوا الفيلم تملّكهم احساس بصدق الشخصية وقربها من واقع البشر. فهي تنهزم وتنتصر في اشد اللحظات حرجاً عندما تواجه “الرجل المقنع” الذي يصور الارهاب. ثمة ابعاد وقيم انسانية جسدها هذا الفيلم أي الصراع بين طبقتي الفقراء والاغنياء، بيد أنّ المضمون الاهم الذي يرمي اليه العمل السينمائي الممتع - كما رآه النقاد - هو تصوير ما تمارسه الولايات المتحدة الاميركية من دور شرطي العالم. لكنها اشبه بالمريض المنهك الكئيب المنعزل بفعل انهيار الاقتصاد الذي يعود الى عام 2008م وبفعل حروبها الخاسرة خارج اراضيها.
من يتتبع سيرة الولايات المتحدة الاميركية منذ عقود بعيدة وبالتحديد منذ سبعينات القرن الفائت حتى اليوم يدرك دون عناء انّ ما يحكمها هو نزعة التسلط واستغلال دول العالم لتنفيذ اجنداتها ومصالحها. لكنّ الحقيقة انّ ثمة دول عديدة ارتضت هذا المنطق وقبلت للاسف سياسة العم سام القائمة على الابتزاز والهيمنة. والاّ من منا لا يتذكر لهذه “الدولة المارقة” تعبير المفكر الاميركي وليم بلوم ممارساتها اللاإنسانية بل الوحشية طوال تاريخها في بلدان عدة من العالم ابتداءً من فيتنام مرورا بأفغانستان والعراق وغيرها.
يقول بلوم في مؤلفه الشهير “الدولة المارقة” لو كنتُ رئيساً - للولايات المتحدة طبعا - فإنني سأقدم اعتذاري لكل الأرامل واليتامى والاشخاص الذّين تعرضوا للتعذيب ولاولئك الذين كان الفقر من نصيبهم ولملايين الضحايا الآخرين للإمبريالية الاميركية. بعد ذلك سأعلن في الجهات الاربع للعالم أنّ التدخل الاميركي في العالم قد انتهى بشكل نهائيّ وسأخبر اسرائيل أنها لم تعد ابداً الولاية الواحدة والخمسين من الولايات المتحدة الاميركية إنّما مجرد دولة اجنبية. بعد ذلك سأقلّص الميزانية العسكرية بنسبة 90 % محولاً الفائض الى الضحايا كتعويضات.. هذا ما سأقوم به في الايام الثلاثة الاولى وفي اليوم الرابع فأنا متأكد انني سأتعرض للاغتيال”.
وحتى الحضارة الاميركية - كما يرى البعض - فإنها بخلاف الحضارات الاخرى كاليونانية والهندية والصينية والفرعونية والعربية أيضاً ذلك انّ هذه الحضارات استحقت اسمها لانها قدمت للانسان عصارة عقلها وفلسفتها وفنونها وأضاءت له طريق الخير والسعادة. أمّا الحضارة الاميركية فإنها حضارة لا اخلاقية بمعنى انّها بنيت على مجد الشعوب الاخرى وامتصت دماءهم حتى آخر قطرة. وهي حضارة غارقة في استغلال قوت الشعوب الفقيرة. وكان يفترض في من يزعم التحضر ان ينعكس هذا على سلوكه تجاه الآخرين بينما الواقع حتى داخل الولايات المتحدة يدحض هذا الرأي اذ لم تزل نظرة الكثير من الاميركيين البيض قائمة على التمييز والعنصرية المقيتة مما يتعارض تماما مع ما تتشدق به من مبادئ.