العدد 1830
الجمعة 18 أكتوبر 2013
تأمّلات حول الحج محمد المحفوظ
محمد المحفوظ
ومضة قلم
الجمعة 18 أكتوبر 2013


كان منظراً خرافياً يستعصي على الوصف وهو أن يجتمع على صعيد عرفة ما يربو على المليونين ونصف المليون حاج. المشهد رهيب لحجاج بيت الله الحرام الذين وفدوا من فجاج الأرض ليؤدوا فريضة الحج الأكبر ويشهدوا منافع لهم. قرروا هجر أوطانهم وأحبتهم وكل ما يملكون ليؤدوا وبصوت واحد (لبيّك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك انّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك). وكان حدثاً اسطوريّاً ان تتوحد هذه الاعداد تحت شعار لا اله الاّ الله.
هذه الملايين التي ترتاد غمار مكة كل عام من جموع الحجيج ذابت بينها الفوارق المذهبية والنزعات القبلية والصراعات الآنية وبالاخص السياسية التي فرقتهم وشطرتهم الى شيع وأحزاب يكيد بعضهم للآخر تحت مسميات ما انزل الله بها من سلطان. وذروة المأساة تتمثل عندما تقدم إحدى تلك الطوائف والملل الى الغاء الاخرى بزعم انّها الاحق والاخرى على الباطل.
المتأمل لهذا المنظر المهيب للملايين من حجاج بيت الله لابدّ أن يتساءل هل نحن الذين اخترنا عقائدنا؟ أم اننا جميعاً ورثناها عن من سبقونا كما نرثُ ملامحنا وصفاتنا البيولوجية؟ واذا لم يكن لاحدنا الخيار فيما هو عليه فهل من حق أحد أن يقيم محاكم للآخر المختلف؟ أو يكّفره طبقا لقناعاته وجنسه ولونه وطائفته؟ ولو تصّورنا انّ لكل فرد او طائفة حق محاسبة الآخرين بهذه المقاييس فإننا حكمنا على وجودنا بالفناء. اذ اقتضت سنة الله في خلقه التنوع الذي هو سر جمال الكون. كما في قوله تعالى “يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله اتقاكم انّ الله عليم خبير” (الحجرات 13).
يبدو أننا جميعاً تنكبنا الطريق والمنهج الذي ارساه قرآننا المجيد واختطه ورسمه سيد الخلق محمّد بن عبدالله عندما اتخذ كل فرد منا سلّما للقيم نقيضا لشريعة المصطفى باتباع دعوة يطلقها فرد من هنا ومن هناك. ومما يضاعف من حجم المعضلة في هذا العصر انّ تضاءلت اصوات الحكماء وتعالت اصوات دعاة الفتنة والمضللين من جميع الاتجاهات.
الكثيرون اليوم يبدون اكثر من أي وقت مضى استعدادهم لتقبل اسباب التعصب الأعمى مع كل دعوة يطلقها مأفون من هنا أو هناك. كل هذا يجري والامة تعيش هزائم ومكائد بالجملة هي أولى من هذه المناوشات العبثية. وهذه جديرة بأن نشمر لها سواعدنا ونكرس لها كل طاقاتنا.
بات من المكرور القول انّ القوى المعادية للامة الاسلامية تدأب ليل نهار على استغلال كل عوامل التشرذم بين الطوائف الاسلامية وتطويق الأمة سياسيا واقتصاديا وعسكرياً ومنعها بكل الوسائل من ان تأخذ مكانتها الحضارية بين امم العالم. كما لم يعد خافياً انّ القوى الامبريالية تحاول اختراق كل الجبهات المادية الروحية للأمة وتغذية النزاعات المذهبية والطائفية. هل نستمر في المصارحة؟ انّ المخططات التي كانت تحاك في الخفاء اضحت تمارس في وضح النهار والذي يضاعف من حجم الكارثة انّ المستهدفين “المسلمون قاطبة” لا يحركون ساكناً وكأنهم في حالة استلاب تام.. حتى تسقط كل المواقع وآخر تلك الاهداف هو موقع الامة الروحي فإذا سقط فإنه يحق ان نقول على الأمة السلام.
وأخيراً انّ موسم الحج في كل عام يمنحنا زخماً روحيّا نحن بأمس الحاجة اليه وهذه ايجابية يجب أن تحرك في الفرد المسلم الوعي وتوقظه من سباته الطويل.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية