لم يشكل إعلان مجلة تايمز للتعليم العالي - الجامعات الأوروبية وجامعات جنوب آسيا - لأفضل مئة جامعة عالمياً للعام 2013م مفاجأة بالنسبة لنا. فمنذ سنوات - وكما تعودنا - لم تسجل أية جامعة عربية واحدة مركزاً متقدماً او متأخراً في قائمة افضل مئة جامعة حول العالم. ولم يعد مستغربا أيضاً ان تتصدر جامعة بوستيك الكورية الجنوبية القائمة كأفضل جامعة في العالم. ويقل عمرها عن خمسين عاماً وهو المركز الذي تحصل عليه للمرة الثانية على التوالي متفوقة بذلك على جامعات عريقة في بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية. وهو ما يعني انّ كوريا الجنوبية تمثل تحديّا حقيقيا للأميركيين والبريطانيين ليس فقط على الصعيد التكنولوجي بل ايضاً على المستوى الاكاديميّ.
حتى ما قبل اربعة عقود كانت كوريا تصنف بأنها من اكثر دول العالم تخلفاً على الصعيدين الاقتصادي والتنموي ناهيك عن مستوى الخدمات والبنية التحتية. ويبدو السؤال هنا وجيها جدا كيف تمكنت كوريا الجنوبية من الانتقال من حالة التخلف وان تتفوق جامعاتها أرقى جامعات العالم وأعرقها قاطبة؟ الاجابة في منتهى البساطة انهم عمدوا الى التعليم بوصفه القاطرة لاي تقدم. لقد خصصت جمهورية كوريا الجنوبية المليارات من الدولارات للارتقاء بالتعليم وتشجيع البحوث العلمية. وكانت أولى ثمار خطتها هو انّها قضت تماما على الأمية وهذا هو التحدّي الاول بل العائق امام اية نهضة منشودة. والانسان الكوري وضع تعليم ابنائه في قائمة اولوياته واهتماماته. واعتقد انّ التجربة التعليمية الكورية هذه جديرة بالدراسة. فالأب الكوري لا يكتفي بالتعليم الحكوميّ بل انه - حسب رواية أحد الباحثين - يُلحق ابناءه بمدارس خاصة لتلقيّ المزيد من العلوم بعد عودتهم من المدرسة الحكومية! اي من الساعة الخامسة مساءً حتى الثانية عشرة ليلاً لكي يضمن لأولاده دخول اشهر الجامعات الكورية التي تؤمن مستقبلا زاهراً. والنموذج هو جامعة (بوستيك) اضافة الى الجامعات الكورية الاخرى التي لا تقل عنها.
المطلعون على التعليم في كوريا يتذكرون جيداً انّ العملية التعليمية - بالأخص التعليم الجامعيّ - صارمة الى اقصى الحدود في تعليمهم سواءً للكوريين أو غيرهم ومعايير التحصيل العلميّ مرتفعة جداً. والدليل الساطع امامنا انّ العديد من دول العالم تحرص على استقطاب الكفاءات الكورية. والكوريون اشتهروا بالوطنية القوية وهذه بلا شك من العوامل التي قادتهم الى التقدم.
بالمقابل ثمة دراسات أجراها باحثون في كلية بوسطن الأميركية قبل سنوات أكدت انّ الدول العربية تذّيل في التصنيف العالمي لاداء الطلبة في العلوم والرياضيات والقراءة. وأرجعت الاسباب الى التحديات الناجمة عن الفقر والنظم التعليمية الجديدة. وفي حين تصدرت دول جنوب آسيا الغنية كسنغافورة وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ ترتيب التحصيل العلمي للطلاب على المستوى الدولي وهي النتيجة التي قال الباحثون انها ترجع الى التزام مجتمعي قوي بالتعليم الابتدائيّ. أما الدول العربية فكانت الأسوأ في القراءة والعلوم والرياضيات.
انّ البلدان العربية اذا ارادت الارتقاء الى مصاف الدول المتقدمة ومن بينها جمهورية كوريا الجنوبية فإنها بحاجة الى التعرف على التجربة الكورية بابتعاث اعداد من الطلبة الى الجامعات الكورية اضافة الى الاستعانة بالخبرات الكورية في حقل التعليم.
صحيح انّ العرب تأخرّوا كثيرا في سباتهم وصحيح أيضاً أنهم تأخروا كثيرا في اللحاق بركب التقدم العلميّ من الغرب والشرق معاً ولكنّ عليهم اليوم الاخذ بأسباب التقدم وهم لو أرادوا هذا - قادرون - لانّ شروط الثورة العلمية متوافرة بين ايديهم.