العدد 1832
الأحد 20 أكتوبر 2013
المنسيون ..!! إبراهيم النهام
إبراهيم النهام
فجر جديد
الأحد 20 أكتوبر 2013


جاءت أزمة 2011 كالعاصفة الهادرة، اقتلعت الكثير، وأدمت الكثير، واستنزفت منا الكثير، وانتزعت عنوة أحبة نشاركهم ذات طاولة الطعام، وذات الذكريات، وذات الكرة العتيقة المرمية بمخزن المهملات.
أقول أنها كانت (كالتسونامي) إن لم تزد قليلاً، فهو -وأعني التسونامي- لا يميز قط بين كهل أو شاب أو رضيع أو امرأة طاعنة بالسن، ولا يميز بين مسجد ومأتم ودار لرعاية الأيتام.
تسونامي 2011 كان قاسياً بالتأكيد، كان ظلامياً، غادراً، إنتزع الأحباب بلا أدنى شفقه، أرسل أرواحهم لبارئها دون أن ترتجف بجسده شعره واحده، يجلس اليوم ليتربص بهذا وذاك شزراً، يذكرهم بحضوره بزجاجة مولوتوف، بإطار مشتعل، بمدارس تنتهك، بأطفال يهجرون خضرة الحدائق، ليزجوا أنفسهم بمسيرات الموت والكراهية.
ومن يومها، والصحف والنشطاء والكتاب والمراقبين منشغلين بتصاريح المنظمات، بتدخلات إيران، بحوار عقيم ولد ميتاً، بانتخابات 2014، بانتخابات الغرفة، بانتخابات رئاسة لجان المجلس النيابي، بأوضاع مصر، وتصريحات حزب اللات، بمستجدات الساحة السورية، بالكثير والكثير غير ذلك، وبجهد ومتابعة لافتين.
ووسط كل هذا، ركنت فئة من المواطنين الصالحين على جنب، أدرجت على قائمة النسيان، وربما الانتظار، لم تكرم كما يجب، ولم ينظر لحالها كما يجب، ولم يسأل عنها كما يجب، هي ببساطة عوائل شهداء الواجب. عوائل من قضوا بحياتهم بسبيل هذا الوطن، بسبيل قضية يؤمنون بعدالتها، وبنزاهتها، وبشرعيتها، فأين هم أحبائهم اليوم من كل هذا؟ وأين هو موطئ أقدامنا منهم؟
 أين نحن من أطفال شهداء الواجب وزوجاتهم المكلومات من عسر الحياة ومتاعبها؟ أين نحن من غلاء مستفحل وإيجارات متصاعدة تنهش أجسادهم، ولوازم مدرسة تضيق خناقهم، وحياة خرسانية قاسية لا ترحم تطولهم بكل شيء؟
قلت لصديقي منذ أيام على مضض: لماذا تغير الناس؟ لماذا لم يعودوا كما بالسابق؟ تأملني لوهلة، ثم أطرق رأسه دون أن ينطق بكلمة.
سألته مجدداً، لماذا لا يتبنى الميسورين كفالة أسر شهداء الواجب؟ لماذا لا يلتفت اليهم التجار ورجال الأعمال ويقدموا لوطنهم ولنفسهم شيئاً يستحق؟ لماذا لا تستثنى طلباتهم الإسكانية وتمرر على عجل؟ لماذا لا تتبنى الكتل النيابية مشروع تبني كفالة الدولة لأسر شهداء المهنة العظيمة؟ لماذا لا يلتفت لأبنائهم بالتعليم والصحة وغير ذلك؟
 لماذا أضحوا منسيين من المجتمع، ومن الأمة بأسرها؟ لماذا ننشغل بهموم غيرنا وننسى ما لدينا؟ هل ينادي الدين وكرامة الأخلاق بذلك؟ كلا بالتأكيد.
التقيت مؤخراً بابن شهيد واجب بأحد مساجد الرفاع، أعرفه وأعرف والده جيداً رحمه الله، تأملني للحظة قبل أن يبادرني بالسلام، كان الضوء بعينيه مطفياً، كان كبريائه مكسوراً، قال لي بخفوت ( أي عيد وأبي ليس معنا).
سألته عن حال الأسره، فقال بصوت مخنوق ( أخوتي بدأوا يتأقلمون مع الوضع ، لكن الإشكالية تكمن بأمي، هي لا تريد شيئاً من هذه الحياة، تريد فقط أن يعود لها أبي مجدداً، بالله عليك بأي إجابة أرد عليها؟).
سؤال لا زلت عاجزاً أن أجد له إجابة، لكني - وبذات الوقت- متيقن بأن التهيئة النفسية لأركان عوائل شهداء الواجب أمر مهم للغاية، تهيئة لا وجود لها.
ختاماً أقول، بأن المسئولية تجاه أبناء شهداء الواجب وعوائلهم ليست مجرد مسئولية وطنية واجتماعية وإنسانية فقط، بل هي قضية أمة، وقضية كرامة أخلاق، وواجب إلزامي ملقى على كاهل الكثيرين منا، هي ببساطة تضع الكثيرين بمفترق للطريق إن صح التعبير، طريق الكرامة والمروءة والنخوة، أو طريق الذل والامتهان، والانغماس بملذات الدنيا ومشاغلها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية