الدرس السعودي القادم سيكون للرئيس الأميركي باراك أوباما خلال زيارته المرتقبة هذا الشهر للرياض، قلبي يحدثني بذلك، “وأنا قلبي دليلي”.
نعم لن تكون “زيارة لتعزيز العلاقات بين البلدين الصديقين وسبل دعمها” فالسعودية التي رفضت في نوفمبر الماضي مقعدا لمجلس الأمن، أرادت حينها أن تبعث برسالة الى أوباما مفادها ان السعودية غاضبة بسبب مواقف الولايات المتحدة من البحرين ومصر وسوريا وإيران.
زيارة أوباما للمملكة تأتي بعد حوالي خمس سنوات من زيارته الوحيدة للسعودية في مايو عام 2009 في بداية فترة رئاسته الأولى، ولكن بين الزيارتين جرت في النهر مياه كثيرة لم تكن تخطر ببال أحد، فالعلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية التي كانت دائما على خير ما يرام في معظم الأحيان، أصبحت في أسوأ أحوالها على الإطلاق خلال الشهور الأخيرة وبدايتها كانت مع المواقف المتخاذلة في مصر، والمتآمرة في البحرين، والمترددة في سوريا، والداعمة لإيران ومشروعها النووي على حساب مصالحها مع دول الخليج العربي، لهذا خلص السعوديون الى ان اميركا تهدف من وراء التقارب الإيراني الى اعادة خلق شرطي إيراني في الخليج تمهيدا لتقسيم المنطقة في محاولة لتصحيح الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو ومقررات مؤتمر فرساي.
صحيفة “وول ستريت جورنال” قالت إن الزيارة تتعلق بتدهور العلاقات وتراجع الثقة وإن أوباما سيزور السعودية لتهدئة التوتر مع الرياض بشأن السياسة الأميركية بخصوص البرنامج النووي الإيراني والصراع السوري، وصحيفة التايمز كتبت في افتتاحيتها بعنوان “أوباما والسعوديون” قائلة: “يجب أن يطمئن أوباما السعوديين أن ضماناتها لحلفائها مازالت قائمة”.
وسببها تلك التساؤلات الكثيرة الصادرة من الرياض وعواصم عربية كثيرة هو “لهفة” أميركا إلى إيران ومواقفها “المريبة” إلى بعض الدول وبالذات البحرين “خاصرة السعودية من الشرق”، ودون أدنى شك إن السعودية التي تحمل اليوم وحيدة عبء الأمة العربية بأكملها، على اثر “العطب المتعمد” الذي أصاب مصر وكان يستهدف إضعاف الامة جميعها، تتوجس قلقا من هذا التقارب، خصوصا ان الأطماع الإيرانية في خاصرة السعودية مازالت متجددة وقائمة، كما ان كل الشواهد تثبت أن طهران الحليف القادم لأميركا، هي مصدر الأسلحة والمتفجرات وتدريب الإرهابيين، والمحرك الرئيس لجميع أعمال الإرهاب في البحرين، وربما ما يثبت هذه الشكوك ويحولها إلى واقع، هو الاتصال والتنسيق الدائم والمستمر بين سفير أوباما في البحرين “توماس كراجيسكي” وجمعية الوفاق الموالية عقائديا، وسياسيا، وآيديولوجيا للولي الفقيه في إيران.
ومن هنا استطيع ان اجزم ان زيارة الرئيس أوباما، رغم أنها حساسة ومهمة، الا انها ستكون صعبة عليها بالذات، ذلك لأن الحليف السعودي المتشكك، يريد سماع كلام مختلف من حليفه الأميركي، ولن يرضيه ان يأتي اوباما من واشنطن الى الرياض حاملا في حقيبة سفره كلاما “لا يغني ولا يسمن من جوع” فما تنتظره السعودية وباقي دول مجلس التعاون الكثير والكثير من الأفعال التي تدلل على إدانة واضحة للتدخل الإيراني في شؤون البحرين والمناطق الشرقية للسعودية، ورفض صريح لكل وسائل الإرهاب التي تقودها ميلشيات الوفاق في البحرين، وحل حقيقي للأزمة السورية يفضي الى معاقبة الأسد وكل الأطراف التي ناصرت ودعمت هذا النظام المجرم، وعلى رأسهم حزب الله، وموقف مؤيد ومساند لخارطة الطريق في مصر، وأتصور أن أية بضاعة يقوم أوباما بتسويقها خلاف هذا الأمر، ستكون خاسرة، وبالتالي من المستحيل ان يعاد بناء الثقة المفقودة من جديد بين الولايات المتحدة الأميركية ودول مجلس التعاون بشكل خاص، والدول العربية بشكل عام.
لذلك أجد من المهم جدا، وقبل الزيارة المرتقبة، ان يبادر وزراء خارجية مجلس التعاون للدعوة لعقد اجتماع تنسيقي على هامش الزيارة بأقصى سرعة في الرياض، للتنسيق الجيِّد في المواقف، وتحديد وتخطيط وتنظيم وتوجيه وقيادة الأهداف بدقة، لضمان وصول الرسالة الموجهة للرئيس اوباما، سداسية كانت أو “ثلاثية”، بمنتهى الدقة والصرامة، تعبر عن هاجس هذه الدول إزاء السياسات الاميركية المتقلبة وغير المستقرة التي تسببت في زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة وإثارة النعرات الطائفية.