بلا شك أن 14 فبراير 2001 كان يوماً أغر كما وصفه عاهل البلاد المفدى صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حين أعلن 98.4 % وبنسبة مشاركة وصلت إلى 90.3 % من المواطنين موافقتهم مصوتين بـ نعم حاسمة لمستقبل مشرق جديد للبحرين، وبـ نعم كبرى للعهد الإصلاحي الزاهر، ليبدأ إثر ذلك اليوم التاريخي عصر البحرين الجديد، تحت قيادة جلالته.
ثلاثة عشر عاما مضيئة مثمرة انقضت على ذلك اليوم التاريخي الأبرز في مسيرة مملكة البحرين الحديثة.
ومنذ ذلك التاريخ انطلقت عجلة الإصلاح بمختلف القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لتضع اللبنات الأولى لمملكة المستقبل، مملكة تحكمها إرادة الشعب من خلال مؤسساته الدستورية والقانونية محققة بذلك دولة القانون والمؤسسات، والتي أعطت لكل أبناء الوطن كامل حقوقهم في العمل السياسي، وفي شتى مناحي الحياة، لتوفير حياة كريمة لكل أبناء البحرين، فهو هدف التنمية وعنصر بنائها, وجاءت هذه الإصلاحات بمبادرة ذاتية ورؤية ثاقبة لجلالة الملك مستبقة التطورات والأحداث التي حدثت في بعض الدول العربية وعرفت بما سمي بـ”الربيع العربي”.
الحلم الوطني التقى بواقعية مشروع الميثاق الذي لم يأت ولم يطرح بوصفه قرارا خارجيا برسم التنفيذ، وإنما جاء من منطلق إيمان راسخ ورؤية ملكية، فكان الأمل الأول يبزغ مع ضوء نهار ذلك اليوم 14 فبراير 2001، وهو الضوء الذي فتحت له الأفق مبادرة القائد في لحظة تاريخية بحرينية لفتت إليها أنظار العالم، فكان السؤال المطروح عندهم هناك يعبر عن دهشة الآخرين في ثقة الانتقال والتحول، وهي ثقة لم تأت من فراغ بقدر ما جاءت تعبيرا عن ثقة جديدة غرس شتلتها المشروع المبكر للإصلاح، وهو المشروع الذي جاء بإرادة بحرينية خالصة لا علاقة بالتوجيهات أو الإملاءات أو حتى الاقتراحات الخارجية به، وهو ما عزز الثقة ورسخها وأعطى مشروع القائد زخمه وبعده الوطني العميق بما جعل شعب البحرين يجمع يوم الرابع عشر من فبراير 2001 على تفويض الملك تفويضا شعبيا معبرا عن وجدان الوطن, ولقد استقبل جلالته ثقة شعبه بأمانة وإخلاص فقال: “بناء على هذا التفويض المعبر عن الإجماع الوطني فقد نذرت نفسي لتحقيق تطلعاتكم كما تجلت في بنود الميثاق ونصوصه وروحه ضمن برنامج عمل وطني يعلو بالبحرين ويجدد مسيرتها الديمقراطية ويعيد الحياة النيابية إليها في ظل الدستور والنظام الديمقراطي الذي ارتضينا لأنفسنا بعد حدود الله”.
ولاشك أن هذه الكلمات لم تخرج من فراغ، ولها دلالاتها العميقة، ولا تصدر إلاّ من قائد صادق مع نفسه ومع شعبه؛ وهو إعلان صريح من المليك للمواطنين كافة بقيمتهم عنده كسند وعون له بعد الله تعالى.
لقد حقق إقرار الميثاق الوطني، كوثيقة سياسية تتضمن المبادئ الأساسية لتحديد مسارات العمل الوطني حاضراً ومستقبلاً، نقلةً تاريخية استثنائية في مسيرة البحرين الحديثة نحو الديمقراطية ودولة المؤسسات، إذ غدا الميثاق الوطني القاعدة الأساس لجميع التغييرات السياسية التي شهدتها المملكة في عصرها الإصلاحي الشامل، وليدشن الميثاق العهد الإصلاحي الشامل على أسس وطيدة تمثلت لاحقاً في إصدار الدستور الوطني، وتحول البحرين إلى مملكة دستورية، تقوم على أسس راسخة من الحقوق والعدالة والمساواة والشفافية، ومكفولة بقوة الدستور والقوانين، وليصبح ميثاق العمل الوطني مجسداً للعقد الاجتماعي الذي يجمع المواطنين بجميع فئاتهم، والذي يصهر المكونات المجتمعية في بوتقة الوطن الواحد لجميع أبنائه على قدم العدالة والمساواة.
لقد ضمن الميثاق الوطني العقد الاجتماعي للبحرين وطناً لجميع أبنائه، وفق مفهوم المواطنة الدستورية، بما تضمنه من مبادئ إنسانية وحقوقية سامية، حيث اشتمل على سبعة فصول، ويتضمن الفصل الأول عددا من العناوين البارزة، من بينها المقومات الأساسية للمجتمع، وأهداف الحكم وأساسه، وكفالة الحريات الشخصية والمساواة، وحرية العقيدة، وحرية التعبير والنشر، ونشاط المجتمع المدني، والأسرة أساس المجتمع، والعمل واجب وحق، والتعليم والثقافة والعلوم.
ولاشك أن ميثاق العمل الوطني الذي غير من خارطة البحرين السياسية فتح الأبواب أمام مستقبل العمل السياسي الذي كان ولسنين طويلة في حكم المحظور، وهو التحول الذي استوعب أهمية الانفتاح والحرية السياسية كضرورة للانفتاح الديمقراطي الذي كلما اتسع وشمل جوانب عديدة في المجتمع كلما تغلبنا على مشاكلنا الذاتية، بمعنى كلما كانت الديمقراطية تكفل الحقوق والواجبات كلما كانت الضمانات أكبر أمام تطور العلاقة بين المجتمع والدولة.
وهذا ما يجب أن يراهن عليه الذين يهمهم حقاً أمر الديمقراطية وحقوق الإنسان وأمر المخاطر التي تحيط بالتحولات السياسية التي تشهدها البحرين حالياً.
الأجيال القادمة ستتذكر ميثاق العمل الوطني بالإكبار والاعتزاز، ففي تاريخ الأمم والشعوب أيام لا تنسى وحوادث يكتب لها الخلود، وفي تاريخ مملكة البحرين ستسجل ذكرى إقرار ميثاق العمل الوطني في العام 2001 بأحرف من نور، وستتذكر الأجيال القادمة هذا الحدث بالإكبار والاعتزاز، إذ مهد هذا الحدث لتحقيق طموحات الشعب البحريني وآماله من خلال تنفيذ الرؤية الثاقبة لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة لتطوير وتحديث البحرين.