العدد 1881
الأحد 08 ديسمبر 2013
مانديلا لم يكن داعي العنف
في الصميم
الأحد 08 ديسمبر 2013

وهكذا ترجل مانديلا محرر العبيد سليل سبارتاكوس ومارتن لوثر كينغ.. مانديلا الذي عاش 27 عاما من عمره داخل السجن، لم يكن كذوبا، أو منافقا، أو جبانا أو محرضا، ولم تستمرئه “الطائفة” لظلم بني جلدته، ولم تزُور به أخلاقه أو دينه، ولم تجاريه للطغيان القاهر أو الانتقام، ولم يفجر في الخصومة ولا يمارئ في الحديث ولم ينافح عن جماعته التي تمارس شتى صنوف الإرهاب، بل كان مدرسة في التسامح ونبذ العنف، فعلا لا قولا.
والتسامح - دليل حاكمية العقل والعقلانية لدى الإنسان السوي - مصدر قوي، والإنسان السوي يعلم تمام العلم أن التسامح لا يعني الضعف أو تخلي المرء عن حقوقه ومعتقداته أو التهاون بشأنها، أما حب الانتقام وروح التشفي والتربص فدليل على غلبة الجهل واللاعقلانية.
مانديلا كان نضاله وكفاحه شعبياً وسلمياً، لذا دفع في سبيل قيمه ومبادئه وأهدافه السلمية 27 عاما من عمره، وكان مستعدا لأن يضحي بكل حياته في السجن في سبيل الا تراق قطر دم واحدة من شعبه، ورغم حجم الظلم والقهر الذي ألحقته الأقلية البيضاء به وبشعب جنوب إفريقيا بأغلبيته السوداء، فإن ذلك لم يصنع منه زعيماً حاقداً أو متحاملاً على تلك الأقلية، لذا وحين أفرج عنه، لم يدعُ إلى العنف و”سحق رجال الشرطة”، ولم يتعامل مع الأقليات البيضاء بلغة الثأر والانتقام، فلم يقل للأقلية البيضاء “ارحلوا.. انتهت الزيارة”.. “نحن الباقون وأنتم الراحلون”، بل وقف مخاطبا الجميع قائلا “كرّست حياتي لكفاح الشعب الإفريقي وحاربت هيمنة البيض بقدر ما حاربت فكرة هيمنة السود”.
رحل رمز النضال السلمي..
الجميع نعى مانديلا، دول وزعامات وأحزاب شتى في العالم، ومن عجائب الأمور وقاصمات الظهور أن حتى جمعية الوفاق، والتي لم تتعلم من تسامح ونضال وسلمية وأخلاق مانديلا “ذرة” من شيء، هي الأخرى نعت الزعيم “مانديلا”.
على فكرة، حتى إسرائيل والتي كان مانديلا يناضل ضدها بسبب مخطط “برافر” الذي وصفه بأنه قانون “تمييز عنصري”، هي الأخرى نعت مانديلا!
تصدق أن المسألة تحتاج إلى محللين نفسيين لا إلى محللين سياسيين؟
معقول أن الوفاق والتي انكشف طائفيتها وعنصريتها إبان محاولتها الانقلابية في 14 فبراير 2011، والتي ساهمت عبر هذا الفعل البغيض بزرع الكراهية البغضاء بين مكونات شعب البحرين الواحد، والرافضة لكل سبل الحوار والتهدئة، أمعقول أن تنعى مانديلا الداعي للحوار والرافض رفضا تاما لكل مظاهر العنف بكل أشكاله.
أي جنون هذا، عقلي يستدير رغما عن أنفي، أأضحك ساخرا؟ أم أبكي ناقما؟
إذ كيف للوفاق والتي من فرط غباوتها تعتبر أن علي خامنئي العنصري الملطخة أياديه بدم أهل السنة في الأحواز والعراق وسوريا، ملهمها وسيدها، تنعى زعيم التسامح والتعايش والنضال السلمي؟!
وكيف للوفاق وزعيمها الروحي “آية الله اسحقووو” والتي تفكر كالعصابة وتتصرف كالميليشيا وتكذب كمن أدمن الكذب، وأياديهم ملوثة بدماء رجال الأمن ومواطنين أبرياء، هي من تنعى الزعيم الذي كان مستعدا لأن يضحي بنفسه على أن يضار أحدا من شعبه.
يا أخي فعلا الكذب مرض!
يا ناس، افهموا الوفاق.. مانديلا لم يكن أنانينا.. لم يكن إقصائيا.. بل كان من أكبر دعاة النضال السلمي ونبذ العنف، وكان مثالاً للخصم الشريف والنبيل، وائم بين قناعاته وأفكاره ومبادئه، وعمل على ترجمتها على أرض الواقع، ففرض احترامه على أعدائه قبل أصدقائه.
وأمثال مانديلا تبقي أفعالهم وأعمالهم ومآثرهم وبطولاتهم تتداولها وتتناقلها الشعوب من جيل لجيل، ويبقون أحياء في ضمائر شعوبهم الوفيّة لذكراهم، لذا أرجوكم تنحوا جانبا، فلا تدنوا من تاريخ مانديلا النضالي حتى لا تدنسوا قبره..

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .