أحسَنَ صاحب السمو الملكي رئيس الوزراء عندما رفض التوقيع على ما وصف بالاتفاق الثلاثي الذي صاغه طرف واحد من أطراف الإنتاج الثلاثة وسعى لفرضه على الآخرين بمساندة من عضو حزب الله وعضو منظمة العمل الدولية وليد حمدان. نقول إن سموه أحسن في عدم التوقيع على هذا الاتفاق لأسباب عديدة، أولها أن الملف الذي يتناوله الاتفاق وهو ملف المفصولين قد تم معالجته، وما تبقى لا يستدعي اتفاقًا جديدًا يفرض التزامات جديدة على البحرين يبدو أنها هي الهدف من وراء هذا الاتفاق ليس إلا.
كما أن الاتفاق قد جعل أطراف الإنتاج الثلاثة (الحكومة، غرفة التجارة والصناعة، الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين) في مركز قانوني واحد متماثل، في حين أنه من الثابت قانونا أن الحكومات عندما تقوم بأي أعمال فإنها تستهدف الصالح العام. كما أن الإصرار على وجود اتفاق ملزم يتضمن تعديًا على سيادة البحرين واستقلالها، فإذا كان الهدف العام هو مصلحة العمال فكان يمكن صياغة مبادرة وطنية يشرك فيها ممثلين عن أصحاب الأعمال والاتحادات العمالية جميعها، فلا شك أن الاتفاق الثلاثي يتجاهل الاتحاد الحر لنقابات عمال البحرين رغم أنه يضم أكثر من 20 نقابة عمالية. كما أن الاتفاق يطالب بعودة العامل المفصول أو الموقوف عن العمل لعمله أولا ثم منحه ميزة التقاضي ليطالب بحقوقه المالية عن مدة توقفه أو فصله وهو ما لا يستقيم مع النظام القانوني البحريني، الذي يجعل القضاء العمالي مختصا بالقضايا العمالية، وهي القضايا التي تكون بعد أن تنقطع علاقة العامل عن عمله، وبالتالي فلا تختص المحاكم العمالية بالنظر في قضايا تعويضات مالية بحتة.
كما أن تخصيص بند كامل لشركة ألبا (البند ثالثًا) فيه محاولة لجعل شركة ألبا وكأنها قضية خاصة وفي محل قانوني وتركيز خاص، في حين أن المفصولين وضعهم كلهم واحد. وقد سعى اتحاد عام نقابات عمال البحرين إلى استخدام الاتفاق كفزاعة يتم بها الضغط على الدولة وابتزازها، وهو ما نلحظه من البند الخامس الخاص بدعم التعاون الثلاثي بين أطراف الإنتاج فهو وضع بطريقة فضلا عن أنه يخرج عن نطاق الأساس الذي قام عليه الاتفاق، وهو تسوية ملف المفصولين فقط فإنه يحول الاتفاق إلى اتفاق دائم.
ويجعل هناك وصاية من منظمة العمل الدولية على سياسات وتوجهات الحكومة في مجال العمل والعمالة. كذلك نجده في البند ثامنًا الذي يفرض العديد من النقاط الإضافية التي لا علاقة لها بملف المفصولين.
ولعلنا نتساءل بعد كل هذا لماذا نرضى بالخضوع لابتزاز منظمة العمل الدولية؟ فالحكومة استطاعت حل ملف المفصولين بشكل يجعلها تفتخر بما حققته، وما تبقى من حالات هي أشبه بمسمار جحا، حيث يسعى الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين والوفاق من ورائه إلى إبقاء الملف مفتوحًا أملا في استجلاب التدخلات الخارجية.
نقول للجميع إنه لا أثر يترتب على البحرين نتيجة الشكوى المقدمة حتى نظل نهادن ونرضخ لإملاءات منظمة العمل. كما أن المادة الرابعة من الاتفاق رقم 111 من اتفاقات منظمة العمل الدولية التي وقعتها البحرين واستندت عليها الشكوى جعلت للدول الحق في تقرير المسائل التي تضر بأمن الدولة، ولا يعد تمييزا الفصل من الخدمة بناء على الاستناد على الإضرار بالأمن، فالمتبقون من المفصولين حاليا أضروا بالأمن، وبالتالي ووفقا للاتفاق والمادة 4 فإن سبيل اللجوء للقضاء متاح لهم. وإذا أصرت المنظمة على ابتزاز البحرين وهو أمر متوقع في ظل ضغوط وليد حمدان عضو حزب الله بالمنظمة، فعلى الحكومة الانسحاب من الاتفاق المذكور (111) فالمادة (9) من الاتفاق تنص على حق الدول المصادقة على الاتفاق أن تنسحب منه بعد مرور 10 سنوات من نفاذه، وقد صادقت مملكة البحرين على الاتفاق سنة 2000. إن المواقف الشجاعة باتت مطلبًا وطنيًا أمام ازدواجية المعايير التي أصبحت سمة من سمات المنظمات الدولية، وقد فعلتها المملكة العربية السعودية عندما رفضت عضوية مجلس الأمن تنديدًا بانحيازه، وعلينا أن نقتدي بهذا الموقف الجريء في مواجهة ما تتعرض له البحرين من ظلم بين من جانب هذه المنظمات.