أعلنت وزارة العمل مؤخراً إطلاق مشروع العمل الجزئي الذي يستهدف الباحثين عن العمل مع ضمان كل الحقوق والمزايا الوظيفية للعاملين برواتب تتناسب مع ساعات العمل.
استوقفني المشروع في جانب مهم يخص عمل المرأة في القطاع الحكومي والخاص، ومدى الحاجة الى تجربة النظام في القطاع الحكومي بشكل مبدئي وعلى مستوى محدود من حيث القطاع والفترة الزمنية ثم دراسة وتحليل نتائج التجربة واتخاذ القرارات المناسبة حول تعديل أو توسيع دائرة الوظائف الممكن تطبيق النظام عليها.
أعتقد أن الفكرة جديرة بالتجربة والدراسة، من خلال تعديل قانون الخدمة المدنية أو إصدار تشريع جديد يتضمن التنظيم المهني للمرأة العاملة في إطار العمل الجزئي يشتمل تحديد الوظائف المعنية بالعمل الجزئي ومستوياتها الإدارية ووضع شروط الاختيار والتعيين وتحديد الحقوق الإدارية والمالية والواجبات الوظيفية، فضلاً عن وضع ضوابط وآليات للتقييم والتقاعد.
التجربة ستقدم فرص عمل جزئي للمرأة في القطاع الحكومي وفقاً لآليات إدارية وقانونية تحفظ حقوقها في العمل، وفي نفس الوقت تلبي حاجة شريحة من الموظفات اللاتي يرغبن في تقليل ساعات العمل والتفرغ لمسؤولياتهن الأسرية أو ارتباطهن بأعمال أخرى.
على أن تنفذ التجربة وفقاً لخطة استراتيجية واضحة ومحددة قابلة للقياس والتقييم. بعض الموظفات لديهن ظروف خاصة كرعاية الأطفال أو رعاية مسن أو معاق وآخريات يعملن على تأسيس أعمالهن الخاصة بهدف التقاعد مبكراً والتفرغ لإدارة عمل خاص، ونعلم كم يتطلب تأسيس مشروع من وقت وجهد ليصل الى مرحلة النجاح. وذلك يتطلب تقليل ساعات عمل المرأة لتتمكن من إنجاز مهامها وارتباطاتها المنزلية والخاصة.
وهذه الفرصة قد تمنح للخريجات الجدد أو لموظفات يرغبن في التحول إلى النظام الجزئي بغية ظروف أو اهداف خاصة يسعين لتحقيقها، والغرض منها توفير فرص وبيئة عمل مناسبة للمرأة متعددة الخيارات بما يخدم ظروفها وطبيعة دورها الأسري والمجتمعي ولا يتعارض مع مصلحة وإنتاجية العمل بل يخدمها.
قد يستنكر البعض الفكرة ولكنني أجدها تجربة تلبي حاجة شريحة كبيرة من الموظفات وتؤسس ثقافة جديدة ومهمة لوضع أنظمة عمل “صديقة للأسرة”. وهناك تجارب في دول أوروبية مثل هولندا التي تعتبر نموذجاً في تطبيق العمل الجزئي حقق لها ارتفاعاً في مستوى الإنتاجية وانخفاضاً في نسبة البطالة، وبعض دول الخليج كدولة الإمارات بدأت بالفعل تدرس وتضع تلك الأنظمة والخطط لحل جزء من مشكلة بطالة الإناث وحل كثير من المعوقات التي تواجهها المرأة العاملة وتستنزف طاقاتها في ساعات عمل طويلة، في حين بإمكانها إنجاز ما يمكن انجازه خلال 7 ساعات ونصف، في فترة لا تتعدى خمس ساعات بعقد عمل مؤقت ونظام دوام مرن. في بريطانيا تكفل تشريعات العمل منح أي فرد في الأسرة حق المطالبة بجدول دوام مهني مرن يتلاءم مع مهام وظروف الأسرة.
وهو نفسه ما ينطوي على العمل عن بعد وإمكانية تطبيقه على وظائف معينة. ظروف الحياة ومتطلباتها تغيرت، وأصبحت مشاركة المرأة في دخل الأسرة جزءا لا يتجزأ من ضروريات الحياة الأسرية. آن الأوان لوضع نموذج متكامل وفق أفضل الممارسات العالمية سواء في جوانبها التشريعية والتنظيمية أو أبعادها التقنية وتجربته في بعض المؤسسات الحكومية والخاصة، ثم تقييم التجربة وتطويرها حسب النتائج وقياس الأثر.
وعلى الدولة وقطاعات العمل تفهم تلك الحاجة وتوفير الأرضية والأنظمة والقوانين المناسبة لتشجيع المرأة على العمل والنهوض بأسرتها وبلدها اقتصادياً.