العدد 1980
الإثنين 17 مارس 2014
استقالة رئيس بايرن ميونيخ.. هل من مستفيد؟
ستة على ستة
الإثنين 17 مارس 2014

لن نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا إن الولع بالسلطة وحب المنصب والتشبث بالكرسي هو السبب الرئيس في ويلات ومعاناة كثير من شعوبنا العربية، حيث إن هذه الشهوة «المهلكة» أغرقت بلداننا في العنف والإرهاب وأشاعت الظلم والفساد في الأرض.
الغريب في كل ذلك أن الجميع أبرياء ومظلومون، فلا أحد يريد أن يعترف بجرمه أو يقر بخطئه، بل يسوق من التأويلات والتبريرات ما يجعله مليئًا بالثقة بأنه مدافع عن الحق ومن لم يرد أن يقتنع بذلك أو من لديه رأي آخر فعليه أن يثبت ذلك إن استطاع.
لذا قد يكون من المهم أن نلقي نظرة لو سريعة لما حدث في ألمانيا وتحديدا في نادي بايرن ميونخ، حيث أعلن «أولي هونيس» رئيس النادي يوم الجمعة 14 مارس 2014 استقالته من رئاسة النادي إثر قرار محكمة المدينة بسجنه ثلاث سنوات ونصف السنة لتهربه من دفع ضرائب قدرت بحوالي 27 مليون يورو.
الحقيقة أن هذه القضية تحمل دروسا عديدة في العودة إلى الحق والاعتراف بالخطأ واحترام النفس والصدق مع الذات وإعلاء الصالح العام، وجميعها قيم أراها قد اندثرت ومبادئ ربما نكون نسيناها تمامًا في ظل ما نحياه ونعيشه من وقائع مؤلمة وتجاوزات أخلاقية وسلوكية غير مسبوقة توحي بأن الضمير الإنساني قد دخل مرحلة الموت السريري بعد أن تعلق القلب والعقل بالمال والجاه والتصقت الجوارح بالكراسي والمناصب.
«هونيس» هذا كان لاعبًا في نادي بايرن ميونخ وكان ضمن منتخب ألمانيا الفائز بكأس العالم عام 1974، وبعد اعتزاله تولى منصب مدير النادي عام 1979، ثم رئيسا له في عام 2009 وجعل منه أحد أغنى الأندية في العالم أجمع، بمعنى أنه مرتبط طوال حياته بهذا النادي وحقق معه انجازات كبيرة من الصعب التضحية بها في لحظات معدودة.
كان من السهل عليه أن يجد مخرجًا من أزمته وقضيته بعد أن اعتقلته الشرطة القضائية قبل نحو عام ثم أطلقت سراحه لاحقا بكفالة مالية قدرها خمسة ملايين يورو، حيث يحظى بدعم الشركات الراعية لهذا النادي المعروف وعلى رأسها أديدايس وأودي وتيليكوم، لكنه آثر راحة الضمير وسلامة النفس، فاعترف أثناء محاكمته بأنه تهرب من دفع الضرائب في تصرف مشبوه ويريد أن يطوي هذه الصفحة المؤلمة في حياته.
حتى محامي هونيس لم يلجأ للحيل والألاعيب التي يلجأ إليها الكثيرون إنما اعترف بأنه وضع في تصرف المحكمة وثائق تؤكد أن قيمة التهرب من الضرائب فاقت الـ 15 مليون يورو الذي في حوزة القضاء ليبلغ مجموعه حوالي 18.5 مليون يورو على الأقل.
وبعد صدور الحكم، لم يطلق هونيس التهم المألوفة في عالمنا العربي ضد القضاء، بل قرر تنفيذ الحكم ودخول السجن وعدم الاستئناف على قرار المحكمة، قائلاً «بعد التشاور مع عائلتي قررت قبول حكم القضاء في ما يتعلق بالتهرب من دفع الضرائب. طلبت من فريق المحامين عدم التقدم بأي استئناف. هذا يتطابق مع تفهمي لتحمل مسؤولياتي. التهرب من دفع الضرائب هو أكبر خطأ ارتكبته في حياتي. أريد أن أتحاشى أي ضرر يمكن أن يلحق بالنادي. سأبقى وفيا لهذا النادي العظيم والمسؤولين فيه طوال حياتي».
لم يكن الأمر سهلاً ـ كما قد يتخيل البعض ـ على رجل كهذا أن يعترف بخطئه ويقرر تنفيذ الحكم بلا استئناف، فقد شغلت هذه القضية حيزًا كبيرًا في اهتمامات الرأي العام الألماني بالنظر إلى الأهمية الكبرى التي تكتسبها لعبة كرة القدم في البلاد، وإلى المكانة التي يتمتع بها هونيس وناديه، الذي توج الموسم الماضي بثلاثية الدوري والكأس ومسابقة دوري أبطال أوروبا.
كل ذلك، كان يمكن أن يدفعه إلى المكابرة والعناد والدخول في سجالات قانونية وقضائية والمماطلة في القضية حتى لا يفتضح أمره بهذه السهولة غير المتوقعة، لكن الصدق مع النفس كان لدى هونيس أكبر، فكان اعترافه وإقراره بالجرم ثم قبوله بالحكم وعدم الاستئناف ضده، وهو ما كان محل استحسان من المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل التي أكدت احترامها لقرار رئيس نادي بايرن ميونيخ الألماني، بعدم استئناف حكم المحكمة الصادر بحقه بالسجن بعد إدانته بتهمة التهرب الضريبي.
أعتقد ان الموضوع ليس بحاجة إلى المزيد، فالمعاني واضحة والدروس جلية في قضية استقالة هونيس.. فهل هناك من مستفيد؟.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية