خطا برلمان القرم الذي تسيطر عليه العناصر الموالية لروسيا خطوة إضافية على طريق تقسيم أوكرانيا، وقدم طلبا إلى الرئيس “فلاديمير بوتين” لإلحاق شبه الجزيرة بروسيا والإعلان عن استفتاء في هذا الشأن نهاية مارس الجاري، حيث سيكون على الناخبين الاختيار ما بين الانضمام إلى الاتحاد الروسي أو تعزيز الحكم الذاتي لشبه جزيرة القرم، وسيعقبه قرار من البرلمان الروسي بخصوص ضم جمهورية القرم التي تسيطر عليها قوات روسية منذ الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي.
هذه الأزمة المشتعلة اليوم بين روسيا من جانب والدول الغربية من جانب آخر لا تخلو من دروس مفيدة للعالم العربي أهمها حرص روسيا على استغلال جميع ما لديها من أوراق قوة للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية والضغط على المنافسين للاعتراف بهذه المصالح وحمايتها، كيف ذلك؟
إن شبه جزيرة القرم جزء من روسيا الاتحادية تاريخياً، إلا أن الرئيس الروسي “خروتشوف” الذي تولى السلطة بعد الرئيس “ستالين” في العام 1953 وهو من أصول أوكرانية “وهب” شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا، ثم منحتها كييف حكمًا ذاتيًا منذ عام 1992 للحيلولة دون المحاولات الانفصالية.
وتبلغ مساحة القرم 27 الف كيلومتر مربع وعدد سكانها حوالي مليوني نسمة، 58 % منهم من أصل روسي و28 % أوكران و12 % مسلمون تتار، والباقون من الأقليات البولونية، والآذرية، والروس البيض، وغيرهم.
وفضلاً عن هذه الخلفية التاريخية والطبيعة السكانية التي حفزت روسيا على التدخل العسكري، تكتسب شبه جزيرة القرم أهمية استراتيجية بالنسبة لروسيا زادت من تصميمها على التدخل لفرض كلمتها بقوة على القرم الغنية بالمعادن، والنفط والغاز، والفحم الحجري والنحاس، ويقع فيها أهم مرفأ على البحر الأسود وهو مرفأ مدينة “سيفاستوبول” الذي يتمركز فيه الأسطول الروسي، ويعتبر المنفذ الأساسي لروسيا على المياه الدافئة في البحر الأسود والبحر المتوسط.
يضاف لهذا الحافز وهذه المصالح في القرم، رغبة روسية في العودة كقطب دولي يصاحبها شعور روسي بتجاهل أميركي وغربي لمصالحها في جميع القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك وكان من بينها الأزمة الليبية في عام 2011 عندما تمكن الغرب من التدخل العسكري وحسم الأمور خلافًا لرغبة موسكو، وكذلك في الأزمة الأوكرانية ذاتها بعد ما أطاحت المعارضة بالرئيس الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش وعينوا رئيسا جديدا من بينهم خلافًا لاتفاق بين المعارضة ويانوكوفيتش وشاركت ووافقت عليه روسيا والدول الغربية في شهر فبراير الماضي يقضي بإجراء انتخابات مؤقتة وإصلاحات دستورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية.
من هنا لجأت موسكو إلى الاستعانة والاستقواء بالأصول التاريخية الروسية لشبه جزيرة القرم للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية ومواجهة الدول الغربية في ساحة تعرف خباياها وتثق في ولائها وقد تنجح على الأقل في الحفاظ على هذه المصالح عبر الضغط على الدول الغربية فقامت بتحريك قواتها العسكرية نحو القرم ربما ليس من أجل الاحتلال إنما لضمان مصالحها في شبه جزيرة القرم لأن موسكو تدرك أنها ستكون من بين المتضررين من مساندة انفصال القرم عن أوكرانيا حيث ستتزايد الدعوات والرغبات الانفصالية عن روسيا الاتحادية، بمعنى أن روسيا ستفتح نار جهنم على نفسها إذا سمحت بباب الانفصال هنا أو هناك.
ورغم أن روسيا ليست لديها أوراق حاسمة في هذا الصراع في القرم إلا أنها من المرجح أن تدفع باقي الأطراف للتفاهم والتوصل إلى حلول وتسويات تضمن مصالحها لأنها تدرك طبيعة البيئة الدولية الاستعمارية التآمرية التي لا تتعامل إلا بمنطق المصلحة ولا يحكمها سوى عامل القوة.
روسيا قامت باستغلال ما لديها من أوراق عبر أساليب غير مشروعة وطرق مرفوضة أخلاقيًا وقانونيًا، بينما نحن العرب لدينا الكثير من الأوراق والمقومات الاستراتيجية التي لو توفرت الرغبة الجادة في استغلالها لما تفككت المنطقة ودولها على هذا النحو الذي شهدناه في العراق والسودان ومازلنا نشهده في ليبيا وسوريا وربما سنشهده في دول أخرى.
إن روسيا مثلها مثل أميركا وباقي دول أوروبا لا تتحدث إلا بلغة المصالح ولا تخضع أو تتحاور إلا عندما تكون القوة، ورغم ذلك مازلنا نعيش في “وهم” الاعتماد على الغير لحل مشاكلنا وتسوية قضايانا وأزماتنا، ومازلنا “نفرح” ونهلل بزيارة هنا أو تصريح هناك ونحيله الى أسباب عاطفية وحب “متجذر” ورغبة “متأصلة” من هذه الدولة أو تلك في تقوية العلاقات معنا، وما هي إلا أيام قليلة ونجد أنفسنا بعيدًا بعيدًا عن الاهتمام وفى صدارة الدول التي يمكن التضحية بها ومصالحها من قبل دول تصفنا بأننا لها حلفاء رغم أنها تتعامل معنا كأعداء وتكيد المكائد في العلن والخفاء.