لم أكن أتوقع استجابة كبيرة أو اهتماما متزايدا بمقالي السابق الذي تناول ما يتعرض له المسلمون في جمهورية إفريقيا الوسطى من آلام وأوجاع وتطهير عرقي تحاول الدول العربية والإسلامية غض الطرف عنه حتى لا يتسبب ذلك في مزيد من الإحراج أمام شعوبها.
إلا أن الاستجابة قد حدثت، حيث قرأ المقال وتفاعل معه عدد لا بأس به من الاصدقاء الأعزاء الذين طالبوا بمزيد من البحث حول هذا الموضوع واسباب ما يتعرض له المسلمون من تنكيل وتشريد وتعذيب يدمع العين ويبكي القلب حسرة وألما وتوجعًا على ما آلت إليه أوضاع كثير من المسلمين في العديد من الدول من بينها دول تتشدق ليل نهار بقيم حقوق الإنسان وتزعم تطبيق العدالة وتدعي الديمقراطية.
ولكي نقرب الصورة للقارئ العربي، يمكن القول إن ما يحدث للمسلمين في إفريقيا الوسطى ليس بعيدًا عما حدث في دول كثيرة من بينها العراق على سبيل المثال وما زال يحدث في دولنا العربية والإسلامية، حيث تحاول الدول الغربية فيما بينها اقتسام دول العالم وتعيد النظر في هذه القسمة كل فترة من الزمن بما يتوافق مع قيم ومفاهيم العصر ويتناسب مع ميزان القوى العالمي وتستخدم الآن سلاح “الفوضى الفتاكة” و”تسييس” الفروقات الدينية والمذهبية و”إغراء” بعض القوى بسلاح المال وشهوة السلطة وتضخيمهم بواسطة إعلام مضلل.
فكما نجحت أميركا في إيقاع صدام حسين والفتك به وإقامة نظام موال لها وتنصيب الحليف الإيراني وصيًا على هذه الدولة التي تحولت لدويلات متقاتلة ومتناحرة، فها هي فرنسا تحاول فرض أمر واقع في إفريقيا الوسطى فقامت بنزع اسلحة منظمة سيليكا التي تدافع عن المسلمين بحجة انقلاب هذه المنظمة على حكم الرئيس “فرانسوا بوزيزي” الموالي لفرنسا وتنفيذ عمليات إبادة لمؤيديه حين تولت السلطة في مارس 2013 م، وذلك في محاولة من فرنسا وحلفائها في تصوير المشهد على أنه دفاع عن النفس وأن المسؤولية تقع على الجانب المسلم باعتباره البادئ بعمليات العنف والقتل.
وهو أمر دحضته دوناتيلا ريفيرا، من كبار المستشارين في برنامج مواجهة الأزمات بمنظمة العفو الدولية عندما قالت: “لقد فشلت قوات حفظ السلام في وقف العنف، وسكتت عن استخدامه في بعض الحالات، وذلك بالسماح للمليشيات التي ترتكب الانتهاكات بملء فراغ السلطة الذي أحدثه رحيل قوات سيليكا”.
ولعلنا نتذكر هنا كيف أوهمت أميركا العالم بأن صدام حسين يمتلك اسلحة دمار شامل تمثل خطورة بالغة على جميع دول الخليج والعالم ما يستدعي ضرورة التوحد ضد هذا الخطر “الداهم” للقضاء عليه عبر احتلال أميركي مريح لهذا البلد العربي ومن ثم تنفيذ الأجندة المرسومة فيه والمخططات الموضوعة له بتحويله لبلد ممزق تهمين عليه إيران وأطراف “عميلة” للغرب.
تريد فرنسا أن تقول للعالمين العربي والإسلامي بأن من قتل يقتل ولا داعي للحزن أو الألم لأن ما يحدث للمسلمين في إفريقيا الوسطى هو رد فعل طبيعي على جرائم ارتكبوها بحق المسيحيين في تلك الدولة وأن المسلمين هم الوحش الكاسر الذي يشبه صدام حسين بجرائمه ضد شعبه وضد جيرانه وبامتلاكه أسلحة دمار شامل لم نجد لها أثرا بعد إعدامه.
ما حدث هو أن جماعة الـ “سيليكا” المسلمة، انقلبت على الرئيس بوزيزي ـ الذي جاء هو الآخر عن طريق انقلاب ـ في مارس من عام 2013 م لأنه نقض عهده واتفاقه معها بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية فضلاً عن فساده وعدم دفاعه عن حقوق كافة شرائح السكان بالتساوي، إلا أن فرنسا ثارت وتدخلت بسرعة بسبب وصول شخصية مسلمة “ميشال دجوتوديا” إلى الحكم في إفريقيا الوسطى الغنية بالثروات ومعادن اليورانيوم والألماس، فحيكت المؤامرات لإسقاط الحاكم المسلم، وطالبته بالتخلي عن السلطة وهو ما حدث بالفعل وتم انتخاب كاترين سامبا بانزا رئيسة موَقتة للبلاد في 20 يناير خلفا لدجوتوديا.
إن فرنسا يتملكها الحنين إلى الماضي وشهوة العودة والسيطرة على منطقة كانت جزءاً من مستعمراتها السابقة ومُنحت حكما ذاتيًا عام 1958م، ثم نالت الاستقلال في عام 1960، إلا أنها مازالت تحلم بالعودة إلى إفريقيا الوسطى واحتلالها طمعًا في ثروات إفريقيا وأرضها الخصبة ومعادنها النفيسة.