بعد أن تيقن الكيان الصهيوني بأن الفلسطينيين باتوا بغير سند عربي أو حتى اهتمام دولي، ضاعفوا من جهدهم الاستعماري ومخططهم الاحتلالي عبر إجراءات فعلية وقانونية وممارسات استيطانية إجرامية وسط حماية رسمية من الدولة المغتصبة والكيان المحتل.
ومن أخطر المخططات التي ينشط الاحتلال الإسرائيلي حاليًا في تنفيذها استغلالاً لانشغال الدول العربية بأوضاعها الداخلية هو محاولات هدم المسجد الأقصى أو تقاسمه زمنيا مع الفلسطينيين في استهتار إسرائيلي بالغ بانتهاك حرمة الأراضي المقدسة.
ففي شهر سبتمبر الماضي، وفي خطوة لتهيئة الرأي العام العربي والدولي للتغيير الذي سيحدث على المسجد الأقصى ومكانته لجعله كنيسا أيضا والتمهيد لبناء الهيكل المزعوم مكان قبة الصخرة المشرفة أو هدم الأقصى، تجاوبت لجنة الداخلية في الكنيست مع مطالب المنظمات الدينية الصهيونية بالسماح لليهود بدخول الحرم القدسي الشريف باعتبار أنه جزء من “جبل الهيكل”، بل ومقاضاة من يتصدى لهم من الفلسطينيين، وطالبت رئيسة تلك اللجنة “ميري ريجف” بتخصيص أيام أو ساعات محددة لزيارة اليهود للمسجد الأقصى “أسوة بالحرم الإبراهيمي في الخليل” الذي تم تحويل نصفه إلى كنيس، وهو ما يمثل اعتداءً سافرًا على حق الفلسطينيين في ممارسة شعائرهم الدينية في الحرم.
وفي أكتوبر الماضي، كشف عن هذا المخطط الإسرائيلي للتقسيم الزماني والمكاني وإقامة كنيس على خُمس مساحة المسجد الأقصى في الجهة الشرقية منه، ويبدأ من مدخل المصلى المرواني وينتهي عند باب الأسباط، وتشمل مساحة المخطط الذي قدم لوزارة الأديان الإسرائيلية أماكن مُعدة للصلوات الفردية وأخرى للصلوات الجماعية، ويتضمن مقترحا بتنظيم صلوات اليهود في باحات المسجد الأقصى وتقنينها وفق أوقات محددة أيام الأسبوع، وأخرى على مواسم الأعياد والمناسبات اليهودية.
أما على الصعيد العملي، فهناك الكثير من الشواهد التي تؤكد هذا المسعى الإسرائيلي لتقسيم المسجد الأقصى ومن ذلك: رفع العلم الإسرائيلي أمام باب الملك فيصل وهو أحد أبواب الأقصى، والقيام بأداء الصلوات التلمودية تحت حماية القوات الإسرائيلية، ومنع المصلين المسلمين وحراس المسجد الأقصى من إخراجهم، وقيام شركة إسرائيلية للتكنولوجيا الأمنية بتثبيت كاميرات مراقبة فوق باب المغاربة؛ لتتمكن قوات الاحتلال من مراقبة بعض أجزاء المسجد الأقصى.
إضافة إلى ذلك، يقوم نحو 15 ألف يهودي من حركات ومنظمات مختلفة بزيارة الحرم القدسي كل عام وذلك تمهيدًا لتغيير أنظمة العبادة في الحرم وبناء الهيكل المزعوم، حيث تعتمد هذه المنظمات خطط عملية لتربية وتأهيل اليهود بالتدرّج بهدف حصد الدعم لفكرة بناء الهيكل.
وتأتي سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتقدم نموذجًا صارخًا في البجاحة في الباطل عندما تقوم وبصفة يومية بغلق الأقصى وحماية دخول المستوطنين للصلاة فيه، حيث شهد العام الجاري زيادة ملحوظة في عدد الاقتحامات الجماعية للمسجد الأقصى وحالات منع المسلمين من الصلاة فيه، كما زادت المواجهات بين المصلين وقوات الاحتلال، ففي 26 سبتمبر، مهدت قوات الاحتلال الطريق وهيأت الأجواء للجماعات اليهودية لاقتحام الحرم القدسي والمسجد الأقصى، ودعت هذه الجماعات المجتمع اليهودي للمشاركة في “مسيرات الحج” إلى القدس المحتلة “والصعود إلى ما يسمونه “جبل الهيكل” على مدار أسبوع، وهو ما أثار غضب المقدسيين وفلسطيني 48، فشكلوا سلسلة بشرية لتكون درعا وحصنا للرباط والاعتكاف في المسجد الأقصى وساحاته التي تحولت لثكنة عسكرية.
وفي 25 سبتمبر الماضي، وتلبية لدعوة من شخصيات دينية وسياسية لحماية الأقصى، رابط مصلون فلسطينيون بالمسجد لحمايته من مستوطنين دعوا لاقتحامه طوال أيام ما يعرف بعيد العرش اليهودي، وفوجئ الفلسطينيون باقتحام قوات الاحتلال للمسجد لإخراجهم بالقوة مقابل السماح لعشرات المستوطنين باقتحامه.
وفي 9 اكتوبر، أفشل سكان القدس المحتلة محاولة متشددين يهود إقامة مؤتمر ديني وصلوات تلمودية في باحات المسجد الأقصى بمدينة القدس المحتلة “احتفاءً بالذكرى الـ 848 لصعود جبل الهيكل”، بعد أن احتشد عدد كبير من السكان إلى جانب طلبة حلقات العلم في باحات المسجد، واحتجوا على وصول المتشدّدين اليهود وسط حراسة من قوات الشرطة الإسرائيلية عبر باب المغاربة.
وفي 13 أكتوبر، اقتحم عدد من اليهود باحات الأقصى، وقاموا بالسجود والصلاة فيها، كما رفعت مجموعة أخرى العلم الإسرائيلي داخل الحرم، وقاموا بالرقص والغناء.
وفي 17 نوفمبر الجاري، اقتحم عدد من المستوطنين اليهود على شكل مجموعات صغيرة متتالية، المسجد من جهة باب المغاربة، برفقة حراسات مشددة ومعززة من شرطة الاحتلال، وقاد الحاخام المتطرف يهودا غليك الاقتحام، حيث تولى تقديم شرح حول المكان وفق الرواية التلمودية.
وفي 20 نوفمبر، اقتحم عشرات المستوطنين وعناصر من المخابرات الإسرائيلية المسجد الأقصى من جهة باب المغاربة وسط حراسة مشددة من قوات الشرطة الإسرائيلية الخاصة.
القصد هنا ليس استعراض الأحداث بقدر ما هو التأكيد على خطورة الوضع في ظل تزايد أعداد اليهود والمستوطنين المشاركين في اقتحام المسجد الأقصى تحت مظلة رسمية من الشرطة القمعية والمخابرات الإسرائيلية لهذه الاقتحامات، وهو الأمر الذي سيؤدي حتمًا إن عاجلاً أو آجلا إلى انهيار المقاومة الشعبية الفلسطينية واستباحة الأقصى وتنفيذ المخططات الإسرائيلية طالما بقي هذا الصمت العربي، وظل الشعب الفلسطيني وحيدًا في مواجهة صراعات داخلية ومخططات إجرامية من الدولة الصهيونية.