العدد 1860
الأحد 17 نوفمبر 2013
الإستراتيجية الأمريكية التصالحية مع إيران
ستة على ستة
الأحد 17 نوفمبر 2013

يبدي كثير من الكتاب والمحللين مخاوف كثيرة من مؤشرات وتداعيات التقارب الإيراني الأمريكي، ويدقون ناقوس الخطر أمام الأنظمة العربية؛ كي تتحرك للحيلولة دون حدوث هذا التقارب، والذي عبر عن نفسه مؤخرًا في لقاءات مشتركة بين مسؤولي الدولتين ومكالمات هاتفية بين الرئيسين وتحركات وزيارات مكوكية لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري في المنطقة وتصريحات تهدف إلى طمأنة وتهدئة الجانب العربي وإقناعه بأن أي تقارب محتمل مع طهران لن يكون على حساب “الحليف” العربي.
ويحذر هؤلاء الكتاب من التداعيات السلبية الخطيرة لتلك السياسة الأمريكية التصالحية ـ كما وصفها وزير الخارجية الأمريكي ـ تجاه إيران؛ لأنها قد تتوج باتفاق إيراني غربي حول البرنامج النووي يصاحبه ويتزامن معه وربما يسبقه رفع للعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
ورغم أن هذه المخاوف قائمة بالفعل، إلا أننا إذا نظرنا إلى الجانب الآخر من الصورة ربما نخلص إلى القول بأن التحديات والضغوط الكثيرة التي تفرضها هذه الإستراتيجية الأمريكية التصالحية تجاه إيران تحمل أيضًا فرصة يمكن للعرب الاستفادة منها، كيف ذلك؟
في جانب التحديات والضغوط، فمن المعروف أن إيران تمثل حليفا “تحت الطلب” لأميركا تظهر بوضوح وعلنا في المهام الصعبة والقضايا الكبرى مثل حرب أفغانستان، ومن بعدها غزو العراق وحاليا في الأزمة السورية، وهذا أمر يحسب للجانب الإيراني الذي استطاع أن يجعل من نفسه قوة إستراتيجية مهمة ولا يمكن تجاهلها في تفاعلات المنطقة.
كما أن الدول العربية في وضعها الراهن غير قادرة على تغيير موازين القوى في المنطقة أو استثمار ما لديها من “أسلحة” إستراتيجية مهمة في التأثير على سياسات القوى الكبرى باستثناء بعض التحركات والمحاولات الفردية من قبل السعودية، لكنها من الصعب أن تحدث تأثيرها المطلوب ما لم تكن متزامنة ومتناسقة مع جهود مماثلة من قبل الدول العربية الأخرى وخاصة ذات الثقل الإقليمي.
معنى ذلك أن الرغبة الأمريكية في التوصل لاتفاق مع إيران، وهي مشروعة ومبررة ـ من وجهة صانع القرار الأمريكي ـ كونها تحقق مصلحة أمريكية فعلية، قد تجعل من طهران راعيًا للمصالح الأمريكية في المنطقة، في الوقت الذي لن تتحمل فيه واشنطن الكثير من التكاليف في سبيل إتمام هذا الاتفاق باستثناء الثمن الذي سوف تدفعه لإقناع الحليف الحقيقي لها في المنطقة، وهي إسرائيل التي تتشدد في موقفها الرافض لهذا الاتفاق من أجل رفع المقابل الذي ستحصل عليه للسماح بإبرام هذا الاتفاق بين الجانبين الغربي والإيراني.
من ناحية ثانية، فإن البرنامج النووي الإيراني ماض على ما يبدو وفق ما يريد صانع القرار الإيراني دون معوقات حقيقية، بل واصبح هدفًا قوميًا للشعب الإيراني رغم ما يقع عليه من أضرار جسيمة نتيجة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه من قبل المجتمع الدولي، والتي تهدف لإيقاف هذا البرنامج الذي يثير مخاوف أمريكية أو إسرائيلية إذا أردنا الدقة، فهذه الدول الغربية تنتفض من أجل إسرائيل أولاً وقبل كل شيء.
أما الفرصة القائمة في هذا الموضوع، فهي أن انتقال البرنامج النووي الإيراني من الغموض والضبابية إلى العلنية والشفافية هو أمر بالنهاية في صالح دول المنطقة، حيث سيزيل الكثير من الشكوك والالتباسات حول طبيعة هذا البرنامج ومدى تقدمه كما يعطيها هي الأخرى مبررًا، بل وحافزًا كي تمتلك برنامجًا نوويًا موازيًا ورادعًا للبرنامج الإيراني ومن قبله الإسرائيلي. فما هو المطلوب لكي تستفيد الدول العربية من هذه الفرصة؟
المطلوب باختصار أن تفرض مصالحها على أي اتفاق بين الجانبين الغربي والإيراني، فإذا كان الغرب يتخوف فقط من قوة إيران النووية، فإن العرب يتخوفون بالأساس من سياسة إيران الخارجية ومطامعها التوسعية، ويزدادون قلقًا من أن تسوية قضية البرنامج النووي الإيراني قد تبقي من سياسة ايران التدخلية في الدول العربية ومحاولاتها المستمرة لإثارة التوترات الطائفية فيها والهيمنة عليها.
لذا، فإن التحدي الأهم أمام الدول العربية هو: هل تستطيع هذه الدول أن تضع أو تفرض تعديل هذه السياسة الإيرانية وانتهاج سياسة إيجابية شرطًا أو حتى ثمنًا للتوصل لهذه التسوية حول القضية النووية؟
هذا هو التحدي الحقيقي أمام الدول العربية، فهي وإن كانت غير قادرة على منع الاتفاق بين الجانبين الغربي والإيراني، فإن عليها أن تعمل لإجبار هذه الأطراف على مراعاة مصالحها وإزالة مخاوفها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .