العدد 1854
الإثنين 11 نوفمبر 2013
جريمة القرن
ستة على ستة
الإثنين 11 نوفمبر 2013

لم تبالغ السيدة “سهى عرفات” أرملة الرئيس الفلسطيني الراحل “ياسر عرفات” عندما وصفت ما حدث لزوجها الذي قتل مسموما بمادة البولونيوم المشع بأنه “جريمة القرن وهي جريمة سياسية بكل المقاييس”.
فقد خلص خبراء سويسريون من معهد لوزان للفيزياء الإشعاعية إلى أن نتائج التحاليل لرفات عرفات تدعم باعتدال الفرضية القائلة إن وفاته كانت نتيجة لتسممه بالبولونيوم-210، حيث تم إجراء تحاليل سمية إشعاعية جديدة، أظهرت نسبة عالية لم تكن متوقعة من البولونيوم-210 والرصاص-210 نشطة في العديد من العينات التي تم تحليلها ووجدت في حوض عرفات وأضلاعه وفي التربة الموجودة تحت جثمانه.
ويفيد ملخص التقرير الذي أعده علماء مستقلون في بلد معروف بحياده السياسي وباستقلال مؤسساته البحثية ونزاهته العلمية بأن العلماء عثروا على مقادير تصل إلى 18 ضعفا للمعدل الاعتيادي من مادة البولونيوم المشع في عينات من رفات عرفات التي استخرجت في نوفمبر 2012 بالتفاهم مع السلطة الفلسطينية.
ويتناغم هذا التقرير مع ما أثبته الخبراء السويسريون ذاتهم في تقرير سابق بعد فحص محتويات حقيبة عرفات في أيامه الأخيرة بأن عرفات مات مسموما بمادة البولونيوم.
وهذه الجريمة “البشعة”ـ في حال تأكد وقوعها ـ تحمل دلالات خطيرة وتؤكد نظرية “المؤامرة” التي نجاهد أنفسنا كثيرا كي نستبعدها من دائرة تفكيرنا وتحليلاتنا عند تناول مثل هذه الموضوعات، إلا أنه في بعض الأحيان تكون خيوط هذه المؤامرة واضحة بحيث تجرنا جرًا للاعتماد على هذه النظرية في التفسير.  قد نتفق او نختلف على الراحل ياسر عرفات لكنه يظل بالنهاية مناضلا فلسطينيا كبيرا جاهد كثيرًا في سبيل نصرة القضية الفلسطينية مهما اختلفت وجهات النظر حول سياساته ومفاوضاته، كما تظل هذه الجريمة بحقه في حال ثبوتها لطمة لجميع الدول العربية تستوجب تحركهم بسرعة وجدية.
المحاولة الأولى لإخفاء ملامح الجريمة التي وقعت في 11 نوفمبر 2004 في مستشفى بيرسي دو كلامار العسكري قرب باريس، كانت مع التقرير الطبي الفرنسي الذي نشر في 14 نوفمبر 2004 أي عقب وفاة عرفات وأشار إلى التهاب في الأمعاء ومشاكل “جدية” في الدم لكنه لم يكشف أسباب الوفاة.
وللتأكيد على هذا المعنى وإبعاد التفكير عن وقوع جريمة ومؤامرة، كتب الأطباء العسكريون الفرنسيون تقريرا طبيا من 500 صفحة بشأن أسباب وفاته خلصوا فيه إلى عدم وجود سم وأن وفات عرفات كانت لأسباب طبيعية.  أما البداية الحقيقية لاكتشاف معالم الجريمة كانت في نوفمبر 2012 عندما تم نبش رفات عرفات لأخذ عينات منها، وتم توزيع ستين عينة لتحليلها بين فرق المحققين الثلاثة السويسرية والفرنسية والروسية وقام كل فريق بعمله على انفراد من دون أي اتصال بالفريق الآخر.
ثم جاءت صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” الأميركية لتلفت الأنظار إلى تلك الجريمة عندما أشارت إلى أن فحص المتعلقات الشخصية لعرفات توحي بأن احتمال القتل وارد، حيث قالت إن البولونيوم عنصر نادر من الصعب على غير الحكومات أن تضع يدها عليه كما أن التعامل معه صعب هو الآخر، ومن المؤكد أن وجوده بمتعلقات عرفات الشخصية له دلالته.
أما القرائن التي ترجح وقوع الجريمة، فمن أهمها التهديدات الإسرائيلية العلنية والمباشرة بقتل عرفات، فقد قال “إيهود أولمرت” الذي كان وزيرا بحكومة أرييل شارون لإذاعة إسرائيل عام 2003 “إن قتل عرفات أحد الخيارات التي تفكر فيها الحكومة. نحاول القضاء على رؤوس الإرهاب جميعها”. كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك “أرييل شارون” كان يرى في عرفات “إرهابيا” و”عدوا” ودعا للتخلص منه.
ويأتي الموقف الفرنسي من القضية ليزيد الشكوك، فالوفاة الغامضة لعرفات حدثت على الأرض الفرنسية من دون أن يتمكن أطباؤها من اكتشاف سبب موته، رغم أن خبراء الطب الشرعي فيها (50 طبيبا) أيضا قاموا بفحص عينات مشابهة لتلك التي فحصها العلماء السويسريون، ولم يظهروا النتائج حتى الآن.
وربما تكتمل الحلقات التي ينبغي التفكير فيها عند التحقيق في تلك القضية بما يحدث في روسيا التي أعد خبراؤها تقريرا عن فحصهم لعينات من الرفات وأعلن أحدهم عدم العثور على بولونيوم فيه، لكن هيئة الطب الشرعي الروسية تنصلت من ذلك التصريح، وقالت إنها سلمت تقريرها إلى وزارة الخارجية الروسية.
من السهل أن نوجه أصابع الاتهام مباشرة للعدو الصهيوني في قضية مقتل عرفات، فمثل هذا الاتهام إضافة إلى أنه منطقي ووارد بقوة فهو يخفف أيضًا العبء الذي من المفترض أن يكون واقعًا الآن على الجانبين الفلسطيني والعربي لمواصلة البحث والتحقيق في هذه القضية قضائيًا على أعلى المستويات الدولية الممكنة، حيث يشير خبراء القانون إلى أن القضية أصبحت الآن ذات طابع جرمي، وأنه يمكن عرضها على المحكمة الجنائية الدولية.
فإذا كان الاعتقاد الشائع هو أن إسرائيل اغتالت الرئيس الراحل ياسر عرفات بالسم، فالتساؤل هو: من الذي أوصل السم إلى حجرة عرفات؟ ولماذا هذا الصمت السياسي والتلبيس الطبي الدولي وخصوصا من قبل كل من فرنسا وروسيا؟ ولماذا لم تتحرك السلطة الفلسطينية لعرض القضية على المحكمة الجنائية الدولية؟.
الواضح أن مقتل عرفات الغامض أراح الكثير من الأطراف والدول، إلا أن نزاهة ويقظة أطباء سويسرا قد تزعج هذه الدول بعد أن ظنت أنها دفنت جريمتها وتوهمت أنها جريمة كاملة لا يمكن اكتشافها.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية