لم أستغرب هذا الاهتمام المبالغ فيه بمباراة كرة القدم بين منتخبي مصر وغانا لكرة القدم في إطار التصفيات المؤهلة لكأس العالم وإن كان هذا الاهتمام اتخذ شكلاً غير مألوف من قبل تمثل في الانقسام بين مرحب “شامت” ومكتئب “ثائر” نتيجة الخسارة التي وصفت بالمذلة التي تلقاها المنتخب المصري(6-1)، بينما لا تنال قضايانا القومية المهمة ذات الاهتمام بعد أن تمكن العدو “الخارجي” والخلاف الداخلي في إشغال الجميع بالقضايا الداخلية والصراعات المجتمعية والمنافسات “السلطوية”، كما ساهما في تسطيح فكر الشباب وغرس قيم ومفاهيم غريبة وبعيدة عن التقاليد التي كانت راسخة والمبادئ التي ظلت ثابتة، وعلى رأسها التضامن والاهتمام المتبادل بين الدول العربية انطلاقًا من وحدة اللغة والتاريخ والمصير المشترك وغيرها من العوامل والروابط التي حفظناها عن ظهر قلب خلال جميع مراحل التعليم، لكننا لم نجد لها تطبيقا على أرض الواقع في ظل تلك الحالة “المقلقة” من الانقسام والتباعد بين الدول العربية، بل ومحاولة البعض منها الكيد بالبعض الأخر وإغراقه في المشكلات والأزمات.
في مناخ كهذا، وجد العدو الحقيقي الذي نشغل أنفسنا بعيدا عنه لعدم رغبتنا في مواجهته وعدم قدرتنا على مقارعته وجد الفرصة مناسبة تمامًا لفرض أجندته في وضح النهار وتنفيذ مخططه علانية ودون أي انتظار، حيث قامت إسرائيل في الفترة الأخيرة بخطوات نوعية جريئة في إطار سعيها المحموم لتهويد كل شيء في مدينة القدس المحتلة من حجر أو شجر أو بشر لتغيير معالمها الإسلامية, وكان أخطر هذه الخطوات هي استبدال المنهاج التعليمي الفلسطيني في المدينة المقدسة بمنهاج إسرائيلي لتزوير معالم وتاريخ مدينة القدس المحتلة.
صحيح أن “إسرائيل” ومنذ احتلالها للأراضي الفلسطينية عام 1948، وهي تعمل على إعادة كتابة التاريخ وطمس الهوية الفلسطينية والعربية من خلال فرض إجراءات كثيرة مثل هدم الأماكن الأثرية وتهويد وتهجير السكان وحفر الأنفاق أسفل المسجد الأقصى والاستمرار في الاستيطان، إلا أن تغيير و”التلاعب” في المناهج وفرض نظام التعليم الإسرائيلي الرسمي على التلاميذ في مدينة القدس المحتلة كان هدفًا له دلالات وأهمية خاصة لدى “العدو” الصهيوني حاول تنفيذها غداة ضم المدينة إلى سيادته بعد احتلالها عام 1967، من خلال سعيه لإلغاء النظام التعليمي الأردني فور احتلال مدينة القدس، لكن الهيئات التربوية الفلسطينية وبمساندة الأهالي أحبطوا هذه المخططات، فلجأت إسرائيل منذ خمس سنوات إلى تطبيق خطتها للتأثير على وعي الطلاب من خلال الإبقاء على الكتب الفلسطينية، مع تغيير مضامينها ليتلاءم مع رؤيتها وتوجهاتها السياسية، ثم أقدمت سلطات الاحتلال بداية العام الدراسي الحالي على فرض المناهج التعليمية الإسرائيلية على عدد من المدارس بالقدس الشرقية المحتلة في انتهاك إسرائيلي صارخ ومعتاد للقانون الدولي وقانون حقوق الإنسان، حيث قررت بلدية الاحتلال في القدس المحتلة استبدال المنهج الفلسطيني بآخر إسرائيلي ليتم تدريسه في خمس مدارس بالقدس تابعة للبلدية، وهي مدارس (صور باهر للذكور، وصور باهر للإناث، وابن خلدون، وابن رشد، وعبد الله بن الحسين ).
أيقنت إسرائيل أنها في بيئة إقليمية “مسالمة” و”مهادنة” إن لم تكن ساعية للتقارب والتعاون معها، وفي بيئة فلسطينية فقيرة معزولة عن محيطها العربي وباتت “مهمشة” على أجندته “منبوذة” لدى بعض شعوبه، فاستثمرت هذه الفرصة لتنفيذ مخططها من خلال فرض طوق وحصار تعليمي على الجانب الفلسطيني عبر تصعيد الضغط على المدارس الفلسطينية المختلفة بالمدينة لتغيير المناهج التعليمية، ومصادرة آلاف الكتب التعليمية الفلسطينية، واحتجاز البعض منها في دائرة الجمارك الإسرائيلية، وتقديم حوافز مثل زيادة الرواتب والإعانات للمدارس التي تتبنى النظام الإسرائيلي؛ استغلالاً لحالة الفقر التي يعيش فيها أكثر من 80 % من حوالى 110 آلاف طفل فلسطيني يعيشون بالقدس الشرقية المحتلة .
وقد حملت مضامين التغيير في المناهج التعليمية الفلسطينية مخاطر كثيرة يجب أن يتنبه إليها ويتحرك ضدها كل عربي وكل مسلم ، ومن هذه التغييرات ما يلي:
ـ الخرائط التي تبين أن دولة فلسطين المحتلة باستثناء غزة هي جزء من دولة إسرائيل.
ـ استخدام أسماء الكتاب المقدس العبرية للمدن الفلسطينية مثل “شخيم” بدلا من “نابلس”.
ـ الإشارة إلى القدس كعاصمة لإسرائيل.
ـ اغفال المناسبات الفلسطينية المهمة مثل النكبة واليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني وإزالة شعار السلطة الفلسطينية والعلم والنشيد الوطني وأي إشارة إلى حق العودة أو حب الوطن، وكذلك مصطلحات مثل “الصمود” و”الجهاد” و”فلسطين” وغيرها.
ـ حذف الآية 15 من سورة الحجرات -الداعية إلى الجهاد في سبيل الله.
ـ شطب درس “حب الوطن في الإسلام”، و”قصيدة الانتفاضة” للشاعر سميح القاسم وحذف فترة الانتداب البريطاني في تاريخ فلسطين، وشطب عدد الفلسطينيين في التجمعات السكانية المختلفة بالوطن والشتات ـ الزعم بأن “الهيكل” حقيقي وموجود مكان المسجد الأقصى، وأن بلدية الاحتلال تعطي التراخيص لتنظيم البناء في المدينة المقدسة، ولكنها تهدم منازل “الفلسطينيين الفوضويين”.
لقد تملكنا الغيظ والغضب من هزيمة كروية متوقعة وإن كانت ثقيلة، بينما لم نحرك ساكنًا أو نبدي اهتمامًا وتعاطفًا مع آلام ومآسي يتجرعها الشعب الفلسطيني حتى وإن كانت لصيقة ومؤثرة على مقدساتنا الإسلامية وهويتنا العربية.
إننا كعرب في مسيس الحاجة إلى ثقافة ترتيب الأولويات؛ كي نعيد ترتيب أجندتنا وقضايانا المختلفة بما يعطي كل قضية القيمة الحقيقية والأهمية الفعلية كي لا نهدر جهدنا ومواردنا في قضايا لا تسمن ولا تغني من جوع ثم نجد أنفسنا أمام مشكلات حقيقية وأزمات جوهرية لا نجد وقتًا لحلها أو موردًا لمواجهتها.