أكثر ما يمكن الوقوف عنده خلال الأسبوع الماضي في صحافتنا المحلية، وفي تعليقات كتاب الرأي خصوصاً، هو ما يتعلق بالسفير الأميركي في البحرين توماس كراجسكي، والتقرير الذي صدر عن المفتش العام للخارجية الأميركية. ولمن لم يقرأ تعليقات الكتاب على هذا التقرير الذي لخص عدد منهم بعض النقاط فيه، نقلاً عن فيليب سوارتز، الكاتب في صحيفة “واشنطن تايمز”.
بفضول طبيعي، ذهبت أبحث عن الصحيفة المذكورة، وموقعها من “الإعراب” الأميركي بين الصحف، ومدى تأثيرها على الرأي العام الأميركي، وعلى صنّاع القرار، فلم تكن “واشنطن تايمز” على قائمة “أعلى 10 صحف توزيعا” Top 10 Newspapers By Circulation 1، وهي ليست من ضمن “أعلى خمسين صحيفة في الولايات المتحدة” Top 50 United States Newspapers 2، والصحيفة ليست أيضاً بين “أعلى 100 صحيفة في الولايات المتحدة” Top 100 Newspapers in the United States [3]، وليس لها ذكر بين الصحف الواردة على الويكيبيديا تحت عنوان “قائمة الصحف في الولايات المتحدة من حيث التوزيع” List of newspapers in the United States by circulation 4 والتي تضم الصحف المئة الأكثر توزيعا في الولايات المتحدة! ولكن هل تعتقدون أن هذا أمر مهم في سياق الحديث؟ لست على يقين من مدى تأثير صحيفة ليس لها هذا الوجود بين أهم حتى 100 صحيفة في الولايات المتحدة لكي نحتفي بمقال لكاتب فيها كل هذا الاحتفاء، ومع ذلك، فإن هذا لا يؤثر على حقيقة الرأي في السفير، في التقرير الصادر عن “مفتش الخارجية الأميركية”.
ولكن، وقبل الاستطراد، تعالوا ننظر في مسؤوليتنا الوطنية إزاء السفراء الذين يفدون إلينا، خصوصاً سفراء الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وهما الدولتان الأكثر جدلاً بالنسبة للأوساط الشعبية، القريبة من الحكومة، والواقفة موقف المعارضة، إذ لطالما صدرت شكاوى متفاوتة من دور هاتين السفارتين وسفرائهما، من حيث الاتصالات، والأدوار التي يشمُّ منها تدخل في الشؤون الداخلية، والتحريض أو التخطيط... الخ من التهم التي – إن صحّت – فهي ليست أقل من جرائم ترتكب في حق البلاد التي هم فيها.
فقد “جرى العرف الدبلوماسي أن تتحرى الدولة المستقبلة عن هذا المرشح (لتولي منصب السفير) بواسطة سفيرها المعتمد لدى الدولة الموفدة، وربما من سفرائها المعتمدين في الدول التي خدم فيها السفير المرشح، ميوله واتجاهاته واطلاعاته ونشاطه، ومن حقها الرفض أو القبول، وهذا يخضع لسياسة الدولة، تبعاً لنصّ المادة الرابعة، الفقرة (ب) من اتفاق فيينا “إن الدولة المستقبلة غير ملزَمة تجاه الدولة الموفدة بيان أسباب رفض طلب الاعتماد” [5]، والسفير الأميركي المذكور جاءنا تسبقه سمعته، بعد أن خدم بلاده سفيراً في اليمن، وقبلها عمل في السلك الدبلوماسي في النيبال، ثم في مدراس (الهند)، والمكتب الصحافي للدولة، وفي بولندا، وفي أواخر التسعينات كان قد عمل في القاهرة، قبل أن يعمل لمدة ثلاث سنوات في القنصلية العامة بدبي، وفي دائرة شؤون الشرق الأدنى، ومستشاراً سياسياً للحاكم العسكري للعراق بول بريمر في أكتوبر 2003، قبل أن ينتقل سفيراً في اليمن، ويتقلد بعض المناصب الإدارية في الولايات المتحدة، ويحل علينا سفيراً في آخر يونيو 2011. أفما كان من حق البحرين سلوك الدرب الدبلوماسي برفض قبول طلب اعتماد هذا السفير تحديداً في الوقت الذي كانت فيه البلاد لا تزال ساخنة من أحداثها التي شهدتها في 2011، إذ هي تحتاج إلى سفراء أكثر اتزاناً، من وجهة نظرهاً، بدلاً من قبول هذا السفير تحديداً لتجري بعدها مطالبات عديدة بإبعاده، وتبادل التهم والمقولات حوله وحول دوره في الحياة السياسية البحرينية، و”التاريخ مليء بحوادث رفض قبول ترشيح السفراء لأسباب مختلفة، خصوصا أثناء الحرب الباردة وقبلها” [6].
هذا من الجانب الرئيسي للدولة، وللحكومة، ولوزارة الخارجية على وجه الخصوص. أما من الناحية الشعبية، وهو جزء من المشهد العام، وهو أيضاً ما يعبّر عن موقف أحد أطراف الصراع السياسي في البحرين، فإن هذا الاحتفاء الكبير بما ورد في التقرير المذكور، على لسان كاتب في الصحيفة الأميركية المذكورة؛ لا يقدم شيئاً ولا يؤخره، ولا يصنع مجداً ولا يعطّره. ذلك أن السفير الأميركي، شأنه شأن بقية السفراء الذين سبقوه، والذين سيأتون من بعده، فما هو إلا حامل رسائل وليس صانع أحداث. نعم، قد تختلف التكتيكات من سفير إلى آخر، ولكنه لن يخرج أبداً عن سياسة بلاده المرسومة في المكاتب المعنية أساساً بكل منطقة، وبكل بلد تحديداً في “معامل” صنع القرار المؤسسي في دول متقدمة، كالولايات المتحدة وعدد من الدول الأخرى التي لا تترك قرارها نهباً للأهواء والانطباعات الفردية. هو الشيء نفسه الذي يجعلنا نتحمس لمرشح للرئاسة الأميركية ضد آخر، وكأن فتوحاً في العلاقات، وانقلاباً في المعادلات سيأتي على يد هذا المرشح ولن يأتي على يد ذاك. وإلا، فمن يمكنه تعداد ما كسبناه، عرباً ومسلمين ودول عالم ثالث، من تولي باراك أوباما المتحدّر من جذور إفريقية، رئاسة الولايات المتحدة، وما الذي خسرناه، أليس موقف سلفه سيكون مشابهاً، إلى حدٍّ كبير، فيما لو شهد ما شهدته الدول العربية من حراكات شعبية؟! أليست هذه هي لعبة السياسة التي تظل تحافظ على مصالح بلادها شاء من شاء، وأبى من أبى، فرح من فرح وغضب من غضب؟!
لا يمكن تلافي الشعور بالإشفاق على هذا الجهد الذي يُبذل شعبياً في سبيل تحجيم أو طرد أي سفير تحت يافطة “غير مرحَّب به”، لأن البحرين لن تغامر بمثل هذا التصرف الذي يُعتبر آخر الدواء، ومادام الداء مستعصياً، فإن الدواء يعزّ تواجده.
هوامش:
[1] http://www.huffingtonpost.com/2013/05/01/newspaper-circulation-top-10_n_3188612.html
[2] http://www.onlinenewspapers.com/Top50/Top50-CurrentUS.htm
[3] http://www.infoplease.com/ipea/A0004420.html
[4] http://en.wikipedia.org/wiki/List_of_newspapers_in_the_United_States_by_circulation
[5] عبدالله محمد النملة، السلوك الدبلوماسي وأثره في شخصية السفير، مطابع الحميضي، ط1، 2011، ص 128.
[6] المرجع السابق، ص 129.