العدد 1980
الإثنين 17 مارس 2014
المنع والمناعة.. نحن والآخرون غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 17 مارس 2014

تشكو دولنا، والبحرين من ضمنها، من كم كبير من العيون والأيادي والآذان، التي تتنصت علينا، وتراقبنا، وتتدخل في شؤوننا، وتحاول الفتّ في وحدتنا وتماسكنا، وتغري بين سفهائنا، وتموّل، وتحرّض، وتبثّ من قنواتها ما يعمل على إشاعة الفرقة، وخلخلة البنيان الاجتماعي، وتصدّع المنجزات الاقتصادية.
ولو أردنا الحق، فإن هذه الشكاوى ليست بعيدة عن الواقع كثيراً، وليست كلها من بنات خيال أحد، أو إنها مجرد وساوس، لأنها إن صدقت على دول الخليج، فإنها تصدق على مدار محيط الكرة الأرضية. فلا توجد هناك دولة، حتى لو كانت في مكان قصيّ، ويبدو للوهلة الأولى بعيداً عن بؤرة الاهتمام الدولي، فإنه لابد أن تكون هناك قوى قد “وضعت عينها” عليها، وتحاول أن تجعلها منطقة لنفوذها. وليست دول الخليج بالغنى الفاحش الذي ربما تجري المبالغة في شأنه، لأن ناتجها الإجمالي مجتمعة يصل إلى 1.6 تريليون دولار، وهو أعلى بقليل من الناتج الإجمالي لأسبانيا (1.4 تريليون دولار في 2013)، وأقل من الناتج الإجمالي لإيطاليا (1.9 تريليون دولار 2013)، فنتساءل: لماذا لا يجري التآمر على واحدة من هذه الدول الكبرى وهي الأكثر غنى من دولنا، ولأن لديها صناعات ومصارف وبنى تحتية جاهزة، ويقصدها السائحون من كل مكان، وطبيعتها ساحرة، وجوها معتدل.. بل حتى الأندية الإيطالية والإسبانية كفيلة بأن تنعش اقتصادات الدول التي تسعى للهيمنة عليها، فلماذا يركزون أنظارهم علينا؟ لماذا “سايبين” العالم ولا همّ لهم إلا دول الخليج؟ للنفط؟ فينزويلا ونيجيريا وروسيا والنرويج لديهم نفط وغاز أيضاً! للموقع الاستراتيجي؟ الجميع يعلم أنه مع التطورات التقنية الهائلة، تراجع العامل الجغرافي، أو الجيوستراتيجي، ويمكن التمركز اليوم في الفضاء من قبل الدول الكبرى، وتوجيه صواريخها وأسلحتها التي لا قبل لنا بها، ولا يمكننا صدّها ولا ردّها ولا حتى تفاديها، من دون أن تحتاج لأن تكون ملاصقة لنا أو مجاورة. ماذا الذي بقي من إغراءات تمثلها هذه الدول لتكون “مشتهاة” من قبل الراغبين في الأكل، والمتداعين من الأمم على قصعتها؟
في اعتقادي الشخصي – وهو اعتقاد معرّض للخطأ بقدر ما هو متاح للصواب – ان العامل الأهم في الإغراء الذي تشكله دولنا في هذه المنطقة – وفي ما حولها من دول أيضاً لأنها تخضع للشرط نفسه – أن ليست لديها مناعة ذاتية تقيها شر الفيروسات والميكروبات وكل الآفات التي تتحدر إليها من كل حدب وصوب، ما يجعلها ساحة مثلى للمغامرين ومن يريدون تسيير السياسات الخاصة بهم، وصنع مناطق نفوذ تابعة لهم، والسيطرة على العالم، وضمّ مناطق لتكون مخازن لها، أو مصادر دخل إضافية، أو لخدمة أغراض معينة ذات طابع سياسي أو أيديولوجي أو ديني يصب في صالح الدول التي تسعى للسيطرة والتغيير.
لقد كثرت الكتب والأبحاث والدراسات التي تتحدث عن أهمية “المناعة” ودورها في صدّ الجوائح الثقافية والسياسية والتآمرية أيضاً، في حين تحدث المغالون عن أن المناعة وحدها لا تفيد، بل الأكثر فائدة منها “المنع”، فيتم منع عرض البرامج التي تختلف معنا، ومنع المحطات، ومنع القنوات، ومنع الكتب، ومنع الصحف، ومنع السفر إلى تلك البلاد والبيئات، ومنع القادمين منها، مستشهدين بأنه يمكن توعية الناس بالحلال والحرام والحقوق كنوع من المناعة، ولكن لابد من وجود الشرطة والحرس وغيرهم لمنع وقوع السرقة نفسها.
نظرياً، من الصعب أن يُعمل بمبدأ المنع، وذلك لاعتبارات متعددة أهمها أن المنع الذي كان معمولاً به في العديد من دول العالم الثالث الرجراجة أنظمتها حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، ما عاد بالإمكان تطبيقه اليوم، خصوصاً بالنسبة للأفكار والدعايات والضخ الإعلامي الكثيف الذي نتنفسه مع الهواء، والذي إن أغلقنا عنه أجهزة التلفزة لدينا، ظهر لنا من الإنترنت، وإذا ما شفّرنا الإنترنت، فإن حوائط النار يمكن إطفاؤها بالكثير من البرامج المتاحة، وإذا ما التفتنا إلى الأخبار سنجد أن وكالات الأنباء العالمية الكبرى هي من يزوّدنا بالمعلومات بحسب ما تريد، فتخفي وتظهر ما تشاء، وتلوّن الأخبار ما شاءت أن تلوّن، فهل نغلق آذاننا وعيوننا عن مشاهدة الأخبار أيضاً وليست لنا – في جميع الدول العربية بل والإسلامية أيضاً، ومعها جميع دول العالم النامي – مصادر أخبار عملاقة كما للدول الكبرى؟ وإن أشحنا عن هذا وذاك فسنجد الأفلام السينمائية تسرّب معطيات غربية إلى أجيالنا، ويمكننا الاستغناء عن الذهاب إلى السينما، فلن يصاب الإنسان بالشلل إن لم ير فيلما جيد الصنع له رسالة تتعارض مع قيمه، وكذلك إن استغنى عن فيلم رديء الصنع من إنتاج بني جلدته، فكيف يمكن مراقبة الهواتف الذكية وما تجلبه من إمكانات الاطلاع على جميع ما يدور في العالم من دون ما “فلترة”؟ إضافة إلى ألعاب الفيديو التي لا تخلو من رسائل متنوعة وقيم في غالبيتها تدعو إلى العنف والربح على حساب قتل وتدمير الآخر، وحيازة ما ليس للفرد؟!
إن الشكوى من اختراق الثقافة والقيم ليست شكوى محلية لأنها باتت جزءا من القلق العالمي المتزايد من العولمة الآخذة في تنميط جميع الثقافات وأمركتها، فلسنا وحدنا المعنيين بها، وليست موجهة ضدنا وضد قيمنا وبلداننا ومجتمعاتنا بالتحديد. أمامنا دروب عدّة للتعاطي مع هذا النسق القيمي المختلف، أحدها صعب المنال، صعب الولوج إليه، ولكنه المنجي من الهلاك. إنه درب تكوين المناعة الوطنية، الذي لا يأتي بجعل “حبّة” الإنجازات البسيطة “قبّة”، ولا بالادّعاء أننا أفضل من الآخرين، ولا يوجد ما يبرر هذه الأفضلية في أن جميع المؤشرات تقول خلاف ما ندّعيه. إنها إرادة وطنية وخطط استراتيجية تبقي على جوهرنا من الذوبان من مصاهر الآخر. وتقوّي مناعتنا الوطنية من الزعزعة والاختراق عن طريق الممارسات اليومية السليمة الممتدة عبر هرم المجتمع من أعلاه إلى أدناه وبالعكس. جميع أدوات عمران الذات متوافرة، وينقصنا من يرفع السقالات، ويشرع بالبناء.. إنه دربٌ لو تعلمون طويل وعظيم.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية