شدني خبر لم تبرزه جميع صحفنا المحلية، ولكن التقطته صحيفتنا (البلاد) ونشرته في أسفل صفحتها الأولى من عددها الصادر يوم الاثنين الماضي، يقول عنوانه “الإمارات: تشكيل جبهة للعلماء المعتدلين ضد التطرف”، وذلك “لمواجهة التطرف والتماشي مع التقدم”.
ولاشك أن هذا التوجه يأتي بعد حوالي سنتين من التوتر العالي بين دولة الإمارات العربية المتحدة بالتحديد وجماعة الإخوان المسلمين فيها، ومع التنظيم العالمي للإخوان المسلمين. ومن حق أي دولة أن تبذل كل ما في الوسع من إمكانات لكي تحمي الدولة والمجتمع مما تعتبره “خطراً” يهدد أمنها وسلامتها وتماسك مجتمعها، بصرف النظر عن التقييم المتفاوت لجماعة الإخوان المسلمين من بلد إلى آخر، ومن فصيل إلى آخر، وهذا ما ليس من شأننا هذا اليوم.
ولكن إن أردنا فحص الموضوع الخاص بالاعتدال والتطرف، فإننا سنقف عند منعرجات أساسية عدة في مجال التعريف. إذ إن “الاعتدال” هو أمر قريب من “الوسطية”، والمصطلحان نقيضا “التطرف” أي الانزياح عن الوسط إلى أحد أطراف المسألة، سواء كان هذا في الدين أو الفكر أو المواقف الاجتماعية. والتطرف ليس التشدد، ولكنه قريب من “الغلو” والمبالغة. فهناك متطرفون في الدين (كما نعرفهم وكما بات المصطلح يطلق عليهم بشكل عام)، وهناك المتطرف في المقابل، والمغالي في عدم التدين، أو نفي الدين وكل ما يمتّ إليه بِصلة. وبالقدر الذي تعاني فيه المجتمعات في كل دول العالم من أحد الأطراف، فإنها تعاني أيضاً من الأطراف الأخرى، إذ إن الناس ليسوا على سوية واحدة في التفكير ولا في التربية ولا في الاستواء والاعتدال والتوازن النفسي، فالهشاشة الفكرية والنفسية، تجعل من الفرد يأخذ من الحلول والمواقف أقصاها، أكثرها ابتعاداً عن الاعتدال والاتزان. ولو سألت أي شخص تراه متطرفاً ومتشدداً ومغالياً و”راديكالياً” عن الأسباب التي تدعوه إلى التطرف، لفتح عينيه مندهشاً ومستنكراً بأنه ليس متطرفاً، وإنما هو متمسك بمبادئه ليس إلا، ومن حقه أن يدافع عنها، وألا يلين في سبيل تطبيقها. وهذا الأمر لا ينطبق على غلاة الإسلاميين، وإن كانوا هم اليوم تحت دائرة الضوء، ولكن الغلوّ أمر عرفته جميع الأفكار والايديولوجيات، خصوصاً في بيئتنا العربية، فهناك أيضاً متطرفون بين البعثيين، واليساريين، والقوميين... إلخ، وقد فعلوا ما فعلوا باسم مبادئهم التي يؤمنون بها، والقصص على ذلك كثيرة، والشواهد ماثلة، ولكن كانت عملية التخلص منهم وملاحقتهم أسهل بكثير من ضرب الإسلاميين وملاحقتهم؛ لأنه من السهل أن يجري ربط ضرب الإسلاميين المتشددين، بضرب الإسلام، وهذا ما يحتاج إلى تبصّر ورويّة قبل اللجوء إليه، وإن كان كيّاً!
إن التوجه لتشكيل “جبهة للعلماء المعتدلين”، ربما يكون مفيداً على أن يتساوق مع الكثير من الدراسات والبحوث التي تركز على الأسباب والجذور التي تدعو أناساً إلى التطرف. فالبعض يرى أن الفراغ النفسي قد يقود إلى أحد النقيضين، والبعض يشير إلى المسافة الفاصلة بين الشعارات التي ترفعها المؤسسة الرسمية، والهيئات والشخصيات الدينية ربما والرسمية، بأن الإسلام فيه من التعاليم والوصايا وغيرها، وهو يرى كل ما هو مناقض يجري على الأرض وبموافقات رسمية ومباركات، فيدخل دوامة الإحباط، وينقم على المجتمع. وهناك من يتعرض لتجارب شخصية قاسية تفقده توازنه وتصل به إلى حوافّ اليأس، فيكون تعبيره عن يأسه وسخطه قوياً مدمراً!
فإن قيل إن التطرف نتيجة الفقر، فإننا نرى أغنياء متطرفين، وإن قيل إنه نتيجة الجهل، فأستطيع أن أشير - وبكل ثقة - إلى أناس يحملون أعلى الشهادات العربية ومن أرقى وأعرق جامعات العالم، ولكن فكرهم الخاص متطرف وغير منسجم مع التحصيل العلمي، وفي الوقت الذي أشير فيه إلى غيري، فلربما هناك من يشير إليّ بأنني متشدد أو مغالٍ أو متطرف؛ لأنني على نقيض من فكره الخاص.
فالتطرف ليس”دمغة” عالمية، أو ما يشبه المسطرة ذات المقاييس المعروفة، ولكنه أمر يخص كل مجتمع على حدة، فالأميركيون يرون العرب خصوصاً والمسلمين عموما، متطرفين مبالغين في احتشامهم، ويراهم كثير من العرب والمسلمين، متطرفين في إباحيتهم وتحللهم وتفسخهم، الأميركيون يُعتبرون محافظين بالنسبة لبعض الدول الإسكندنافية، وهكذا فإن الاعتدال والتطرف هما شأنان من شؤون المجتمع نفسه، هو من يضع مقاييسه ومساطره، وهذه المقاييس ليست ثابتة، إذ إنها تتغير وتتبدل باستمرار تبعاً لما يمر به المجتمع من تطورات وتغيرات، يراها الخاسرون أنها تحولات إلى الأسوأ، وعلى العكس يراها الرابحون منها. كما هو الحال مع مصطلح “الإرهاب” الذي وصّفته الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر 2001، وعممته على جميع الدول، وبشكل أو بآخر، صار الجميع يشير إلى ما تشير إليه الولايات المتحدة، ويطلق التسمية نفسها على من هم إرهابيين بالمقاييس الأميركية سواء تواءم هذا ما معاييرنا أم لا، ولا يمكن أن نلوم أنفسنا، فلقد تأمرك واقعنا بأكثر مما يجب، ولا غرابة في ذلك.
الأهم من كل هذا، على من يريد محاربة التطرف أن يعي جيداً الدروس الماضية، ولا يحارب مشاكل اليوم بأسلحة الأمس، ولا يعمد إلى كلاسيكيات المواجهة “لاقونا ونلاقيكم”؛ لأن التطرف والمغالاة والشطط، قادرون على أن يتمترسوا بأنفسهم، ويعيدوا إنتاج ذواتهم، ويحصّنوا أنفسهم جيداً، ويكونوا أكثر شراسة، وينتقلون من المباهلة إلى المقاتلة، وكلما ضُيِّق عليهم الخناق وحُشروا إلى الزاوية، كلما وجدوا أن لا شيء ليخسروه، ولا شيء ليخافوا عليه، فيبيتون أكثر خطراً.. وعلى من يريد أن يحارب التطرف الديني أن يعلم أن “العلماء الرسميين” هم في سلم أولويات المتطرفين لأنهم - في عرفهم - يزيفون الدين ويبيعون الفتاوى الهيّنة اللينة، وأن حديثهم ليس مقنعاً وصوتهم ليس مسموعاً. فحرام أن تذهب كل هذه الجهود سدى، بينما أهم الحلول على مرمى حجر.