العدد 1962
الخميس 27 فبراير 2014
العدل العميق والأمن الأعمق غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 27 فبراير 2014

انتهيت في المقال السابق إلى أن “العدل”، هو الوصفة السحرية لأغلب بل ربما جميع المشاكل التي تواجه المجتمعات، وهي التي تجعل أركان حكم أي بلد مستقرة متينة. وهذه من القواعد الأساسية التي تصحّ مهما تعاقبت الأزمان، ومهما اختلقت المواقع الجغرافية أو ألوان الناس وأعراقهم.
والعدل ليس في المساواة فقط، فقد تكون المساواة في أحيان كثيرة ظلما بأن يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون، والذين يعملون والذين لا يعملون، والمتناقضات في هذا الباب كثيرة. وهذا ما تذهب إليه بعض الدعوات في دول متقدمة، خصوصاً عملية المساواة (المناصفة) بين الجنسين في الحكومات والأحزاب والجمعيات، لتثبيت مبدأ المساواة، بينما مبدأ العدالة هو الأجدر بالتثبيت لأن المساواة على أساس الجنس في الحكومة قد يأتي بمن لا يستحق، ويحرم من يستحق، فقط لأن العدد قد اكتمل من بني جنسه أو جنسها في التمثيل، وإن كان بعض من هم خارج التشكيلة الوزارية أو الحزبية أجدر من بعض من هم داخلها!
والعدل قيمة لا ترتبط بدين أو ثقافة. فجميع الأديان السماوية والأفكار الوضعية البشرية تطلب العدل، وتسعى إلى تحقيقه، وإنما تنحرف بها الممارسات التي يتغوّل أصحابها من ذوي السلطة (على مختلف مستويات السلطات) من دون وجود من يحاسب، أو عدم الجرأة على المحاسبة، أو وجود بطانة من المستفيدين من هذا الوضع غير السليم يحيطون بصاحب السلطان، يزيّنون له ما يفعل، لأن في خرقه للناموس الطبيعي، منفعة له ولهم من ورائه. لذلك يُنقل عن ابن عبد ربه، قوله “قال الحكماء: مما يجب على السلطان العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه، وفي باطن ضميره لإقامة أمر دينه؛ فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان. ومدار السياسة كلها على العدل والإنصاف، لا يقوم سلطان لأهل الكفر والإيمان إلا بهما ولا يدور إلا عليهما، مع ترتيب الأمور مراتبها وإنزالها منازلها”. وهذا أمر لا جدال ولا مراء فيه، فإذا ما أردنا اليوم ضرب مثال حي على العدل في دولة ما أو مجتمع ما، تطلعنا إلى دول بعيدة، لا تدين بديننا، بل ربما لا دين لها، فالأمر ليس في الدين الذي (كما في الإسلام) يأمر بالعدل والإحسان، بل في من يلتزم هذه الأوامر ويطبقها. ولا يكاد أحد القراء العرب يغيب عن مقولة رفاعة رافع الطهطاوي في رائعته “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، وهو الكتاب الذي وضعه في القرن التاسع عشر، معبّراً فيه عن صدمة الاحتكاك بالحضارة الغربية حين قال “هناك رأيت الإسلام ولم أر المسلمين”، أي أنه رأى التطبيقات التي حثّ عليها الإسلام، من دون أن يرى ممارسات وطقوس إسلامية. إذ إن العدل ممارسة تأنس لها النفوس السليمة، وتحترمها العقول الراجحة، وتطأطئ للعدل رؤوس العارفين إن استبانوه، ولا عيب أو نقيصة في ذلك. فكما قال ابن القيّم “إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط. وهو الأساس الذي قام عليه ملكوت السماوات والأرض. فأينما كان العدل فثم شرع الله ودينه وإن لم ينزل به وحي أو ينطق به رسول”.
ومما يؤسف له أن الأنظمة الحاكمة في الغالبية الغالبة، والكثرة المتكاثرة من الدول الإسلامية قد جعلت الظلم منهاجاً، والتفريق ممارسة، والاضطهاد عنواناً، فكفرت وكفّرت العباد، وجعلت من الإسلام لافتة تستظل بها، حتى لا يمسّها أحد، ناشرة أن هدم هذا النظام وتقويضه هو هدم للدين، ومن ذا الذي سيتحمل جريرة هدم الدين، وجرّ البلاد إلى الفوضى، وإيقاظ الفتنة، وبالتالي فإن على الناس أن يرضوا بالظلم ويرضعوه حتى يغدو – مع مرور الوقت – من طبائع الأمور، ومن اليوميات، ولا يكون التعدي على الحقوق مستغرباً، لذا أفتى فقهاء السلاطين بحرمة الخروج عن الحاكم حتى لو يفعل ما يفعل، مادام يقيم الصلاة، أي لا يمنعها، وهذا من أبسط الأمور وأهونها، مادام سيكون السلطان في مأمن من المحاسبة، وهذا ما يتناقض مع الحوارية المشهورة، إذ يقول الخليفة عمر بن الخطاب: “إذا رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوّموني”، فيقول سلمان الفارسي: “والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقوّمناه بحد السيف”. وحدّ السيف هنا لا يعني إلا القتال، والقتال يعني في بعض معانيه إمكانية القتل. هكذا الإسلام الذي عرفه الرعيل الأول قبل أن تتلوث الفتاوى بأوساخ الدنيا، ويجري تبرير الظلم، ويسوّغ أكل أموال الناس بالباطل والإدلاء بها إلى الحكام والمحكمين، والاستئثار بالسلطات والسيطرة على المقدرات من غير وجه حق.
فليس من عيب أن تكون بلاد فقيرة معدمة، تفاجئها السيول في بعض المواسم، وتجتاحها الأمراض والأوبئة، ولا فخر أن تكون بلاد أخرى غنية ميسورة قد حباها الله بالخيرات التي تنبع من باطن أرضها أو من بحارها، ولكن يعيب الاثنتين غياب العدالة التي تظلل الجميع وتحيلهم إلى استواء الأمور فيما بينهم. ومهما حاولت الأنظمة إخراس تململ الناس بالقوة الغاشمة، أو تخويفهم من عواقب الاضطرابات، والأهمية القصوى للأمن، والأمن في رأي الكلاسيكيين من البشر هو الإكثار من عناصر الشرطة وآلياتهم وتدريبهم التدريب المتقدم، وتزويدهم بأكثر مما يحتاجون من أجهزة ومعدات، فإنها بذلك إنما تؤجل حل المشكلة، وتشتري بعض الوقت قبل أن تتجدد المشكلة مرة أخرى، وتنبعث في وقت لاحق، وربما بشكل أشد ضراوة مما مضى إذ إن كل هذا ليس أكثر من وسائل حفظ النظام حينما ينفلت، ولكن ما الذي يمنع النظام من الانفلات في البداية؟
إذا كان “الظلم مؤذن بخراب العمران” كما سبق أن قال ابن خلدون، فإن نشوء واستقرار وازدهار الحضارات لا يأتي إلا بالعدل الذي يجر وراءه الأمن العميق المتجاوز للحدود الشكلية والقوة القاهرة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .