مادمنا لا نزال نبحث عن مخارجنا الخاصة من هذه الأزمة التي نحن نخوضها، وعلى الرغم من جميع التصريحات الآمنة المطمئنة بأننا قد تجاوزنا ما حدث، فإننا إزاء جملة أمور ووقائع تشير إلى أننا لا نزال نعاني آثار ما حدث في مثل هذا الشهر قبل ثلاث سنوات، وهي الآثار التي تراكمت لسنوات عدّة قبل تلك السنوات بسنوات. ولا نزال نتساءل عن الأسباب التي تجعلنا نقف في منتصف الطريق من دون أن تتمكن جميع الأطراف، الدينية منها والسياسية والاجتماعية والقوى الفاعلة والشخصيات القيادية وصناع الرأي من أن يتلاقوا.
كتبت هنا غير مرّة، بأننا (أعني الكثرة الكثيرة من الناس) لم نقرأ ميثاق العمل الوطني قبل أن نتخذ موقفنا منه بإحدى الطرق الثلاث، وهي: إما الموافقة عليه، أو عدم الموافقة عليه، أو الامتناع عن المشاركة أصلاً. وليست القراءة الفاحصة والممحصة والمتعمقة للميثاق من قبل البعض، وهي القلة القليلة في رأيي، سوف تعني الشيء الكثير وسط الهدير والكثير من الآمال والوعود والنوايا الطيبة والأماني الصادقة، فلقد حُسم الأمر. أما كيف حُسم، إن شئنا أن نكون أكثر صراحة ووضوحاً وشفافية، فإن الأطراف السنية محسوبة تقليدياً وتاريخياً على الحُكم، ومادام الحُكم يرى أن في هذا الميثاق خيراً عميماً، وسيفتح آفاقاً للمستقبل، وسيوفر الكثير من الأمن والاستقرار، وأن من المصلحة الوطنية المصادقة عليه، فإنهم (في الغالب الأعم) سيذهبون للتصويت عليه بالموافقة. وأما الأطراف الشيعية، فلقد انتظرت القول الأخير من المرجعيات العلمية والسياسية في الشارع الشيعي، وما إن حصلت هذه الجماهير على الضوء الأخضر من مرجعيتها بعد طول تردد، وأذن بالتصويت للميثاق، تدفقت أيضاً في هذا السعي وملأت خانة “نعم” كما ملأته جماهير الجانب السني، لذا حصل هذا المشروع على هذه النسبة التي لم يأتها الشك من أي جانب، داخليا كان أم خارجيا. ولكن القاعدة التي انبنى عليها هذا الإقبال وهذه الاندفاعة كانت تقوم على “منتصف الطريق”. أي قليل من القراءة، قليل من السماع، قليل من الأحاديث، ومحركات دافعة لاتخاذ الموقف الأساسي. والأمر نفسه ينطبق على القلة القليلة التي لم توافق، والبقية التي لم تشارك، فالغالب الأعم يقوم (هكذا أزعم) على عدم إكمال الطريق إلى آخره، وعلى فتات المعرفة، والكثير من القوى المحركة.
في هذا الذي نحن بصدده اليوم، هذا الوضع الذي نعيشه منذ سنوات، تبدو الحالة نفسها هي التي تصدق علينا أيضا. فنحن لا نعرف عن بعضنا إلا القليل، قليل من الاستماع، قليل من القراءات الذاتية، قليل من التفكير، قليل من التحليل، وكثير جداً من الأمور الدافعة لاتخاذ المواقف المضادة للأطراف الأخرى. هي ذاتها الحجج التي تم استخدامها من الطرفين قبل سنوات ثلاث، وهي أيضاً المبررات ذاتها، وهي الأساطير التي سمعها البعض عن البعض، وهي أيضاً المواقف الشاذة لأشخاص على هوامش هذا الفريق أو ذاك ممن يبحثون لهم عن دور، والتي يجري الاستشهاد بها من قبل الفريق الآخر حينما تصطك إرادات الحلول، وهي الطرائق نفسها التي تجري بها إثارة المشاكل مجدداً، ونبش كومة القمامة ونثرها على طريق أي حوار بين الأطراف، ونشر رائحتها المقززة في الأجواء، وتقويض جهد المقلّ، والمكوث لأشهر طويلة مجدداً من أجل أن يقيّض الله لهذه الأمة أمر رشد، وشخصية مقبولة تعيد من جديد تسخين الخطوط التي بردت.
عندما يجري نقاش أفراد من الأطراف المتضادة عن مواقفها من بعضها، يتبين كمّ الفقر العميق في معرفة الآخرين، والاعتماد على ما تناقلته الألسن ومواقع التواصل الاجتماعي التي اقتطعت الجمل والتصريحات، وأخرجت العبارات عن سياقاتها، وعزلتها لوحدها، واستلّت عبارات تخدمها وحدها في صراعها العبثي الذي لا طائل من ورائه، ولكثرة ما يجري تداول هذا المبتور، ولعدم وجود الوقت، أو ربما الرغبة، أو حتى الجهد الشخصي من أجل تقصي حقيقة ما يجري ترويجه في الفريق نفسه عن الفريق الآخر، أو لعل ما تم اقتطاعه يبدو ملائما لزيادة الحريق التهاباً، ولأن أناساً من ذوي الحيثيات من هذا الفريق أو ذاك، خصوصاً معتلو المنابر الدينية منهم، صار يردد هذه النتف المنقولة؛ فإن كثيراً من الناس وضعوا هذه العبارات موضع الحقيقة مادامت بهذا الشيوع والانتشار، ومادام أنها جرت على ألسن من يحركون الأحداث بإشارة أو دعوة منهم.
إن الانتظار ريثما يتعقل الشارع البحريني، وينظر بعين المتدبر إلى الأحداث، وحتى يضع أفراد هذا الشارع قواعد موازين العدل والحق؛ فإننا سنكون في تأخر مستمر على كل المستويات، محلياً وإقليمياً، ووضع من الصعب الخروج منه، لأن التعويل على الوعي الجماعي له الكثير من المتطلبات السابقة، وهذه المتطلبات التي تحتاج إلى استقرار أوضاعنا جميعاً ووقف تدهورها، ومن بعد ذلك بناء مستمر بلا هوادة أو تراخ، للعقل الناقد المتبصّر في أي حدث، حتى يملك كل منا الجزء الأكبر من قراره الخاص تجاه أية قضية من دون التأثيرات التي تجرفه ولا يجد نفسه إلا واحداً من بحر الجموع.
وإذا كانت السطحية هي داؤنا، فلربما تكون هي دواء الانتصار المؤقت على أزمتنا، وذلك بتفتق الأذهان عن مشروع وطني جديد، مشروع عملاق وحقيقي يعيد الناس للناس، ويزرع الثقة في وحدة المسعى والمصير والتفكير، وذلك قبل أن نقرأ ونغرق في التفاصيل.