ليس من الصعب اليوم التنبؤ بأي وضع يمكن أن تشهده البحرين على المستويين الرسمي والشعبي، ولا على مستوى الموالاة والمعارضة، إن صحّت التسميتان، على اعتبار أن الجميع موالٍ للبحرين، ولكن المنطلقات وأشكال التعبير عن هذا الولاء مختلفة.
سهولة التنبؤ، أو عدم صعوبته، مردّها إلى أننا لا نزال في المربعات الأولى، بل في المربع الأول الذي لن نغادره مادمنا نتعامل مع الأمور اليوم كما كانت بالأمس، وكأن لا شيء قد تعلمناه من معاناتنا، وما قاسيناه معاً في سبيل المرور من الأيام عالية التوتر، إلى ما بعدها حيث يمكن أن يستقر العقل ويستكين، ويعاود التفكير بشكل أكثر جلاء في ما حدث، ويبحث عن مناطق أخرى لم يكتشفها بعد في هذه العلاقة القائمة على التوتر.. هذا التوتر الذي لم يجئ منذ سنوات ثلاث، ولكنه أظهر أقسى وأقذر ما يمكن أن يكون حينها، وقذف أوساخه على كامل المشهد المحلي، وأحلّ ألواناً جديدة بدلاً من تلك التي ما كانت أيضاً ألواناً زاهية، ولكنها أقل قبحاً مما صارت إليه.
تلك المرحلة، على كل ما فيها من سوء ومعاناة وقسوة وخوف وهلع وتبدلات ومواقف يندى لها الجبين، وأخرى تشرئب لها الأعناق، وعلى ما حملته من قرابين وضحايا، فإنه من الممكن أن تكون لحظة مخاض بحريني جديدة، صفعة تفيق الناس من أوهام طالما لاكتها الآلة الإعلامية في المقام الأول، عن صور لا تعدو كونها مثالية، تروّج ما ليس هو رائج في الحقيقة على الأرض، إذ كانت الأرض تمور بالممارسات السلبية، والإقصاءات الطائفية المسكوت عنها في فضاء المصارحة التي غالباً ما تستدعي ردود الفعل، وتحرّك دوّامة ردّ الفعل المتبادلة في الكثير من الشؤون الحياتية التي صارت الشقة اليوم بعيدة في معرفة من البادئ في شرخها، والأهم من ذلك ما السبيل إلى إعادتها إلى الشكل الذي لابد أن تكون عليه في المجتمعات الصحيحة المزاج.
في الأيام القلائل التي سلفت، كانت البحرين على الموعد نفسه الذي لم يتغير، أشكال الاحتقانات المختلفة، بل والمتباينة، النظرة الأحادية الجانب، الأسطوانات التي تدور وتدور منذ حين، التشاحن على وسائل التواصل الاجتماعي، والتحاشد المتبادل، وعدم إيلاء الطرف الآخر أية رغبة في التعرف على حقيقة ما يقوله ويهجس به، بدلاً من النقل من أطراف أخرى، وتبادل الاتهامات ما ظهر منها وما بطن بما وصلت إليه الأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. إنه المربع الأول نفسه الذي وصلنا إليه في 2011، وهو ما انتهينا إليه اليوم، وربما إلى مدى غير قصير.
يعلم الجميع (أو هكذا أعتقد) أننا في بلد صغير محاط بالكثير من القوى سواء على المستوى الجغرافي أو الدولي، وأن نكون ساحة لصراعات قوى إقليمية ودولية هو واحد من الأمور الواردة في علم السياسة، وأن تكون البحرين مختبراً مصّغراً لطموحات أكبر في المنطقة من قبل اللاعبين الرئيسيين، وبالتالي، فإن مقاييس الربح والخسارة إن كانت على مجال ومساحة صغيرة، يمكن أن تعمم على المساحات الأكبر، وهذا يعني – بشكل أو بآخر – تأثرنا الشديد بما حولنا من بحر متلاطم يموج بتلاطم المصالح، وإذا ما مسّت أرجلنا أرض الواقع، من دون تحليق في الفضاء، ولا انتفاخ في تصور الذات، وأكثر الانتفاخات غير محمودة البتة؛ فسنعلم أننا مجرد جزء من اللعبة، وأن الطائر أكبر من الفخ، فلم كل هذه الجلبة التي نحدثها؟ وأوهام القوة والنصر التي يتشدق البعض بها، وهذه الخيالات التي نوهم بعضنا بعضاً بها، ونصدّقها، وهذا هو الأخطر لأنه تزييف في أوراق رسمية تخص الوعي العام، والمشكلة أن هذا التزوير سيغدو يوما ما هو الأساس الذي لن يعرف الناس سواه، خصوصاً أننا في مجتمع بينه وبين التدوين والتأريخ والتحليل المتوازن، بونٌ شاسع؟!
هذه الكلمة السواء التي نفتقدها اليوم، والتي يقف دونها جدار فولاذي صعب الاختراق، تبيّن الفشل الذريع من جميع الأطراف لأن يصلوا إلى ما يمكن أن يقرّبهم من الوصول إلى حل. إنه الفشل نفسه الذي استحال أن يُبطل التدخلات الأجنبية التي شاءت لهذا التفاوت أن يستمر ويتواصل. وهو أيضاً الفشل الأكثر دويّاً في إبطال ما تتضمنه الأجندات الخارجية التي لا تشاء إلا أن تنقسم المجتمعات إلى فتات الانتماءات الضيقة، وهي الخريطة التي يدور الحديث عنها مطوّلاً منذ سنوات عن تكسير اللوحة الجغرافية التي حفظناها عن ظهر قلب منذ عقود طوال، إلى لوحة جديدة علينا أن نقبل بها ما لم ننزل عن خيول كبريائنا الزائفة التي نرى فيها أننا على الحق المطلق، وأن غيرنا، المختلف معنا، الذي لا يقول بما نقوله، ولا يوافقنا على كل ما نفعل، بأنه مفارق الجماعة التي لا يلتئم شملها إلا بجماهير مطيعة.
لقد تبيّن – بما لا يدع مجالاً للشك – أن كل طرف لا يزال يطلب من الآخرين أن يأتوا إليه صاغرين ويلتحقوا به، وأن يستمرّ اللعب على أطراف الهاوية حتى إن ارتفعت الفواتير، وانحدرت مقومات السلم الأهلي، وتنافرت الجموع، فالأهم لدى اللاعبين في السياسة وبها، إثبات أنهم على الصراط المستقيم وصحة دعواهم وثباتهم على الحق. وأن الوطن لا يقبل إلا نهجاً واحداً، وفكراً واحداً، وصوتاً واحداً، في الوقت الذي نقول فيه بالتعددية والديمقراطية وأن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية!.